منبر

التجميل … جواز “الترقيع” وتحريم التحسين

الإسلام يلغي زيادة الحسن ويبيح عمليات إخفاء التشوهات الخلقية

حددت الشريعة الإسلامية حدودا للتجميل، ووضعت له قواعد، تتمثل في إجازة إخفاء التشوهات والعيوب، والنهي عن زيادة الحسن وتجميل أطراف الجسد، وهو ما يلغي “صناعة” وموضة العصر التي افتتن بها العالم. وإذا كانت النساء أكثر الفئات المعنية بالتجميل، بالنظر إلى تزايد رغبتهن في الظهور بمظهر أكثر جمال، فإن الرجال بدورهم اقتحموا عالم التجميل، وهو ما أصبح يدق ناقوس الخطر لدى المحافظين والإسلاميين على وجه الخصوص، إذ قادوا “هجرة” إلى التراث الإسلامي، “لتبضع” بعض الآيات القرآنية والأحاديث، وأقوال التابعين والمجتهدين والمفسرين، للبرهنة على تحريم التجميل، ووضع حدود فاصلة بين درء العيوب والتشوهات والرغبة في زيادة الحسن، وتغيير خلق الخالق، بتعبير المتدينين.
وتصعب الدعاية للتجميل، ومحاولة دفع الناس إلى القيام به، وانتقاد كل من يقف ضده، واعتباره ركنا من أركان التمدن والحداثة، كما يحاول البعض إقناع العامة، إلى درجة أصبحت النساء خاصة، يشعرن بنقص وحاجة إلى التجميل والتزيين، في وقت لم تكن فيه البشرية في حاجة إليه، خاصة أن دائرة التجميل توسعت ولم تعد تقتصر على أمور بسيطة، بل أصبح الأطباء والعيادات يلجؤون إلى عمليات جراحية بالساعات، وتكلف الملايين، ما أصبح يطرح السؤال حوله، ويؤكد إلى حد ما التوجه الذي يعتبره صناعة انطلقت من بعض الدول، وتستهدف ضعاف النفوس لسلب أموالهم.
وإذ كان الدين يحرم التجميل، من منطلق تغيير الخلق، فإن بعض السنن تسائل هذا الحكم، إذ تجزم كافة النصوص أن التجميل لا يتم إلا للضرورة، فإن الختان على سبيل المثال، ليس من الضروريات غير أنه منصوص عليه، ويدخل في خانة السنن التي مارسها ويمارسها المسلمون لقرون، وكذلك ثقب الأذن، الذي لا يدخل في حال من الأحوال في الضروريات، لأن الأذن لا تكون مشوهة لإصلاحها، بل يتدخل الإنسان لتغيير ملامحها.
واختلفت أقوال المحدثين في الشريعة الإسلامية، في مسألة الجراحة التجميلية، والتي عرفت بأنها جراحة تحسين المظهر، وتحديد الشباب، والمراد بها تحسين المظهر وتحقيق الشكل الأفضل، والصورة الأجمل، دون دوافع ضرورية أو حاجية تستلزم فعل الجراحة. وقسمت الجراحة التجميلية إلى قسمين، النوع الأول، هو عمليات الشكل، التي تتضمن تجميل الأنف وتصغيره، وتغيير شكله، وتجميل الذقن والثديين، والأذن، والبطن وغيرها، واختلف العلماء المسلمون في هذه المسألة، بين من اعتبرها جائزة، إذا كانت محققة لمصلحة، وهو ما قال به ابن باز، وابن قعود، وبن غديان، وعبد الرزاق عفيفي. واعتبر تيار آخر من الفقهاء أن هذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، بل هي تغيير لخلق الله، ومن القائلين بهذا الرأي، نجد ابن عثيمين، ومحمد عثمان، ومحمد المختار الشنقيطي.
وهناك نوع ثالث من العلماء الذين كانوا أكثر تسامحا مع التجميل، استنادا على دليل تحقيق المصلحة ما لم يترتب على ذلك ضرر، ومراعاة للحالة النفسية للمريض الذي يسبب له شكله الخارجي انطواء وانعزالا عن المجتمع، فإنهم رخصوا له بالقيام بهذا النوع من العمليات.
وأما فريق آخر من العلماء، فقد حرم التجميل، استنادا على بعض الآيات القرآنية والأحاديث، ومن أدلة القرآن، ” ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، 119 النساء”، إذ فسرها أصحاب هذا الرأي بأنها آية واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من الناس، ومنها تغيير خلق الله. وفسر بعض السلف هذه الآية على أن المقصود بها هو الوشم، وكل ما فيه تغيير لخلق الله، إذ قال أبو حيان، “هو الوشم، وما جرى مجراه من التصنع للتحسين”. وأما عن أدلة التحريم من السنة، فيستند القائلون بعدم جواز التجميل، بحديث روي عن الرسول، “لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله”.

عصام الناصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق