fbpx
الصباح السياسي

الدخول السياسي… الحكومة والمعارضة والشارع

مخاوف المعارضة من استمرار بنكيران في تنازلاته في لحظة تأسيسية تميز الدخول السياسي الجديد

من الرهانات الأساسية التي تطارد الحكومة خلال الدخول السياسي الجديد، تنزيل الدستور وتأويله بما يضمن لرئيس الحكومة ممارسة صلاحياته دون التنازل عنها أو التفريط فيها، لأن ذلك من شأنه أن يؤشر على ارتداد سياسي، ويؤسس لتقاليد في الحكم ترجح كفة فاعل على آخر في ممارسة السلطة التنفيذية. لقد تعرض رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في هذا الشأن إلى كثير من الانتقادات بسبب اتهامه بالتخلي عن ممارسة صلاحياته الجديدة التي يفوضها إليه دستور فاتح يوليوز، غير أن الأخير، ومن وراء حزب العدالة والتنمية، ظل ينظر إلى هذه الانتقادات بعين الشك، ويتهم بعض أطراف المعارضة، بالسعي إلى الإيقاع بينه وبين الملك، وهو ما يخشاه بنكيران، وترفضه قيادة حزبه، لأن الأخير في غنى عن هذا النوع من الصراعات.
في كل مرحلة من مرحلة تأويل نص دستوري، يطرح الإشكال حول قدرة رئيس الحكومة على حفظ صلاحياته، دون منازعة، وأن تنازل عنها للمؤسسة الملكية، وفي كل مرة تطرح المعارضة هذه المخاوف يستعير حزب العدالة والتنمية خطاب بنكيران: «لم نأت إلى الحكومة لنتصارع مع الملك». فالتأويل الديمقراطي للدستور، كما تطالب به المعارضة البرلمانية، هو بالنسبة إلى رئيس الحكومة محاولة للإيقاع بينه وبين المؤسسة الملكية. في البداية دافع الحزب عن فكرة تقاسم السلطة، وعدم الدخول مع الملك في التنازع عليها، وقد شكل عرض قانون التعيين في المناصب العليا، فرصة لتقديم ضمانة جديدة رغبة في تحسين العلاقة مع القصر. وقد تبنت قيادة الحزب فكرة التعاون والتفاهم بين السلطة التنفيذية والمؤسسة الملكية، في بلورة الإطار السياسي الذي يحكم تنزيل الدستور.
ويبقى استكمال تنزيل الدستور أهم خصوصية تميز الدخول السياسي المغربي، في هذه المرحلة، فالأمر يتعلق بلحظة تأسيسية يمر منها المغرب، بموجب دستور يعيد بناء الدولة نفسها، وتحديد العلاقات بين السلط، وهي لحظة تكتسي أهميتها لأنها مصدر تنزيل السلط وضمان توازنها، ذلك أن أي تأويل غير مقنع لأي نص دستوري في هذه المرحلة سيكون له ما بعده، لأنه يكرس تقاليد وأعرافا سياسية قد تعيد إنتاج السلطة بمفهومها المتعارف عليه قبل تعديل الدستور. بالمقابل، يصطدم الدخول السياسي الجديد برهانات الشارع، فالمعارضة لم تعد تقتصر على طابعها التقليدي المبني على الاختلاف حول السياسات بين مكوني الأغلبية والمعارضة، بل أصبح للشارع صوت يحتج به ويطالب به بالاستجابة إلى انتظاراته، التي تنقسم في التجربة المغربية بين ما هو متراكم منذ سنوات وما هو التزام انتخابي قطعه العدالة والتنمية على نفسه. إن دخول عنصر «الاحتجاج» طرفا في المعادلة السياسية يجعل الدخول هذه المرة مختلفا، لأن عامل الزمن لا يلعب لصالح الحكومة، هذه المرة، بل يشكل عنصر ضغط ومقاومة يفضي إلى تقليص هامش الوقت. إن احتقان الشارع أصبح لاعبا أساسيا في تأمين أي دخول سياسي، وأخذه بعين الاعتبار يقتضي توفير إمكانيات الاستجابة إلى الحد الأدنى من مطالبه. إن الدخول السياسي يعني في الأنظمة الديمقراطية، افتتاح شوط آخر من العمل السياسي للوفاء بالالتزامات التي على أساسها نالت الحكومة الثقة من البرلمان، والتي يترجمها التصريح أو البرنامج الحكومي كميثاق سياسي للولاية التشريعية. وتختلف حمولات الدخول السياسي من تجربة ديمقراطية إلى أخرى، وذلك بحسب الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المؤطرة لجدول أعمال كل دورة أو سنة تشريعية، وإجمالا يعتبر الدخول السياسي بمثابة اللحظة الممتازة للتواصل والتحاور وتدبير الرؤى السياسية المختلفة، بين الأغلبية الحكومية والمعارضة البرلمانية، والحسم والتقرير في الاختيارات العامة للدولة.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى