ملف عـــــــدالة

قصة مستشار “حراك”

أضحت سواحل الجديدة قبلة لحالمين بالهجرة إلى الضفة الأخرى، وكانت منطقة الجرف اﻷصفر مكانا مفضلا لمجموعات كبيرة من “الحراكة” من مناطق متعددة ببلادنا ومن دول إفريقيا جنوب الصحراء، يختبئون في بواخر تجارية عملاقة وكثيرا ما انتهت رحلاتهم المحظورة بالفشل.
ولم يقتصر “الحريك” على فئات يائسة قتلتها البطالة وطول الانتظار، بل امتد ليشمل فئة ناخبين كبار. نعيد عقارب التاريخ إلى 2001 في قصة مثيرة بطلها مستشار جماعي أرغمته ظروف الحياة وعدم استقرار أحوال جماعته إلى ركوب البحر نحو أوربا، لعل في الحركة بركة كما يقولون.
كان رجلا عاديا بالجماعة الترابية الوليدية، التابعة آنذاك لإقليم الجديدة قبل أن يلحقها التقسيم الإداري لـ2009 بإقليم سيدي بنور، لكنه كان يتمتع باحترام السكان له، ومن منطلق ذلك امتد وسطها بقاعدة انتخابية، شجعته على ترشيح نفسه لانتخابات 1997، وتمكن من الظفر بتمثيلية دائرته التي كانت تفتقر إلى الكثير من ضروريات المعيش اليومي.
أصبح له وضع اعتباري وسط القبيلة والجميع أضحى يناديه “الرايس”. كلمة غيرت في سلوكه الشيء الكثير، لكن بمقابل ذلك كانت توحي له كل يوم بضرورة التمرد على واقعه الاجتماعي البسيط ليصبح فعلا في مستوى كلمة “الرايس” الطنانة، لأنه في عرف البادية المغربية أن “الرايس بشكارته وكرمه”.
ولأنه من طينة فلاحين يمتهنون “زراعة الكفاف”، وهي زراعة معاشية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولن تسعفه حتما في تحسين وضعه الاجتماعي الذي يتماشى ورئاسته لهرم قبيلة “البواكير” التي طوقته بأصواتها، بمطالبها التي لا نهاية لها، فكر في التمرد على واقعه.
أمام قلة مردودية الفلاحة اشترى سيارة من نوع ” بوجو 404 ” وسخرها في أسطول النقل السري الذي اشتهرت به المنطقة. تحسنت مداخيله نوعا ما ولكن لم تكن مضمونة في ظل حملات دركية كانت تستهدف “الخطافة” بين الحين والآخر، لإسكات احتجاجات نقابات سيارات الأجرة المرخصة.
جمع حقائبه هذه المرة وكانت وجهته الصحراء المغربية، وهناك اشترى قاربين للصيد التقليدي، ولأن المصائب لا تأتي فرادى، شملته حملة تحطيم القوارب العشوائية، معها تحطمت آمال “الرايس” الذي عاد أدراجه نحو قبيلته ينفخ ريشه أمامها، للتغطية على نكساته المستمرة.
انسدت الآفاق أمام “الرايس”، وأغضبته أوضاع جماعة الوليدية التي عاشت على إيقاع عدم الاستقرار، وذات صباح استيقظت القبيلة على خبر سرى في أطرافها كالنار في الهشيم “الرايس حرك لإسبانيا”.
هي رحلة وصف بعض مراحلها، إذ تجمعوا في غابة بالشمال، وكانوا يعيشون على “الحمص المقلي”، والتمر والتين المجفف وبعض من الخبز، قبل إدراك لحظة الصفر عندما صعدوا مركبا حملهم إلى ضفة الحلم.
في 1997 ترأس جماعة الوليدية أحمد البركاوي من التجمع الوطني للأحرار، لكنه اشتبك مع المعارضة والأغلبية فتم تغييره 1999 بالمصطفى احمادة من حزب الاستقلال، الذي بدوره تعرض إلى انتقادات شديدة من مستشاري الجماعة، الذين قرروا الإطاحة به، وإعادة الرئيس القديم عبد الرحيم حرار من التجمع الوطني للأحرار.
وكان الأمر يتطلب توقيع ثلثي أعضاء الجماعة على طلب عقد دورة استثنائية لعزل الرئيس، وكان ينقصهم توقيع عضو واحد، وشاءت الصدف أن حملة للتحقق من هويات بعض ” الحراكة ” في إسبانيا، اصطادت “الرايس الحراك” الذي قضى بها ثلاثة أشهر، ليرحل إلى مطار وجدة ومنه إلى الجديدة، حيث أكمل توقيع عريضة الإطاحة بالرئيس المصطفى حمادة.
واستقر بصفة دائمة بدوار البواكير، ولكن هذه المرة بعيدا عن النقل السري والحريك، بتجربة أكثر استقرارا، عندما اكترى مأذونية سيارة أجرة كبيرة، حسنت مداخيلها من وضعه الاجتماعي ليكون فعلا “رايس القبيلة ” بـ”شكارته وكرمه”.

عبد الله غيتومي (الجديدة)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق