ربورتاج

النقـل بالبيضـاء … الجحيـم

انقراض حافلات “مدينة بيس” واهتراؤها وتعسف سيارات الأجرة حولت حياة البيضاويين إلى جحيم

“فات عليا الحال والطوبيس مازال ماجا”، “حتى شي طاكسي مابغى اوقف لينا بجوج”، “واخا نكون أندفع للفيزا ما نشدش داك الصف طويل على طاكسي كبير”، “كازا نيكرا مابقاتش ديال العيشة”… من العبارات التي يتم تداولها يوميا على ألسن البيضاويين الذين تحولت حياتهم إلى جحيم لا يطاق ولا ينتهي. لا حديث اليوم لدى البيضاويين إلا عن أزمة النقل الخانقة، فحق التنقل بمختلف الوسائل صار حلما لدى سكان “كازا نيكرا” بسبب قلة وسائل النقل العمومي وسوء خدماتها، إضافة إلى الممارسات الحاطة من كرامة الركاب من قبل سيارات الأجرة الصغيرة التي صار سائقوها هم من يحددون الوجهة وليس الزبون.

“ما قدو فيل زادوه فيلة” مثل يصلح إسقاطه على المشكل الذي عمق من أزمة النقل لدى البيضاويين، بعد أن تحولت الحافلات التي تعود لشركة “مدينة بيس” التي عهد إليها نقل البيضاويين منذ 2004، إلى خردة متنقلة بل إلى “حافلات الموت” تجوب مناطق وشوارع البيضاء، بسبب احتراقها أو تكديسها الركاب فوق الطاقة المسموح بها، وهو ما يجعل مستقليها مهددين بالموت يوميا.
طالما كانت أزمة النقل في البيضاء واقعا لا يمكن نكرانه، لكن منذ سنتين أصبح كابوسا مرعبا يجثم على قلوب سكان العاصمة الاقتصادية وزوارها الذين يعلقون على الظاهرة ب”باز ليكم على عيشة عايشين وسط كازا”، ومرد تلك التعليقات والتأفف إلى ما تشهده مختلف شوارع وأحياء أكبر مدينة بالمغرب، من لعبة القط والفأر بين الركاب ووسائل النقل العمومي من حافلات وسيارات أجرة بصنفيها الكبيرة والصغيرة.

الاعتصام وسط الطريق

ارتباطا بمعضلة غياب وسائل حافلات النقل وسوء خدماتها وكذا الزيادة في تسعيرة سيارات الأجرة الكبيرة وتعسف أغلب سائقي سيارة الأجرة الصغيرة، أصبح مشهد مطاردة وسائل النقل العمومي ومحاصرتها وسط الطريق، مألوفا.
وعاين طاقم “الصباح”، غضب مجموعة من المواطنين الذين قرروا الاعتصام وسط الطريق لمنع تحرك سيارات الأجرة التي قرر أصحابها استغلال الوضع ووضع شروط تعجيزية لنقل الراغب في الالتحاق بوجهته، من بينها التحكم في تحديد الوجهات وطلب أثمنة خيالية.
وارتباطا بتداعيات أزمة النقل بالبيضاء، أصبح الاختناق المروري مشكلا يوميا، ففي أوقات الذروة التي تشهد توجه المواطنين إلى مقرات عملهم والتلاميذ إلى مدارسهم أو عند عودتهم إلى بيوتهم، تتوقف الحركة بالشوارع المؤدية إلى وسط المدينة لأكثر من ساعتين.
وليس هذا فحسب، بل أدى النقص المهول في عدد الحافلات المهترئة لشركة “مدينة بيس” إلى تعميق الأزمة واستفحالها، ما ينذر بتداعيات خطيرة على السلم والأمن، ففي كل يوم أصبحت الطرق تغص بجحافل المحتجين الذين توزعت أشكال احتجاجهم بين محاصرة وسائل النقل والتلاسن مع سائقي سيارات الأجرة الصغيرة منتقدين استغلال أغلب سائقيها أزمة النقل للسطو على جيوب المواطنين واحتقارهم، كما انتقد المواطنون مسؤولي شركة “مدينة بيس” والمشرفين على مجلس أكبر مدينة في المغرب لاحتقارهم البيضاويين، بعدم تفاعلهم مع مشكل قلة وسائل النقل أو قرار تخصيص حافلات جديدة أو فتح الباب لعدة شركات خاصة للاستثمار في المجال، باعتبار أن المنافسة ستؤدي إلى تجويد خدمات النقل عوض إبقاء منطق الاحتكار.

معاناة يومية


كشف عدد من الركاب ل”الصباح” معاناتهم اليومية لإيجاد وسيلة نقل عمومي بما فيها سيارات الأجرة، مشيرين إلى أنه في حال توفر حافلات نقل المدينة تكون ممتلئة عن آخرها وتتحول إلى ما يشبه علب سردين.
وأفاد المتحدثون أنفسهم، أن الحرائق التي تلتهم حافلات شركة “مدينة بيس” ومشاهد الأعطاب وسط الطريق، إضافة إلى التأخر في الانطلاق أو الوصول مسلسل لم يعرف طريقه إلى النهاية، مشددين على أن “كازا نيكرا” أصبحت اسما على مسمى لأن سكانها لم يلمسوا أي تغيير أو تجاوب من قبل المسؤولين.
وطالب المتضررون مسؤولي البيضاء بحل معضلة النقل الحضري، عن طريق تجديد أسطولها أوترك المجال لشركات خاصة، متسائلين عن السبب في فسخ عقود حافلات الخواص واحتكارهم لخطوط مهمة، باعتبار أن الحافلات الخاصة لو بقيت لما عاش البيضاويون ما يعيشونه اليوم من معاناة.
ولم تفت المتضررين من أزمة النقل بالبيضاء، مناشدة والي جهة البيضاء سطات، بوضع حد لاستهتار سائقي سيارات الأجرة الصغيرة بحق البيضاويين في تحديد وجهتهم عوض إرغامهم على الركوب بشروط تعجيزية. وكذا فوضى محطات سائقي سيارات الأجرة الكبيرة التي أصبحت فيها بعض الخطوط شبه منعدمة كما هو الحال بالنسبة إلى الراغب في الذهاب من الحي الحسني نحو شارع أنفا ووسط المدينة.

“براكة متنقلة”

تكفي عمدة البيضاء ومسؤولي المدينة من سلطات منتخبة ومحلية، مغادرة مكاتبهم المُكيفة حتى يعاينوا مرور حافلات أصبحت على شكل “براكة متنقلة” تجوب الشوارع والأحياء بدون حشمة، أما إذا امتلكوا ذرة من المُروءة واحتكموا لضمائرهم إعمالا للأمانة والمسؤولية التي قلدها بهم المنتخبون وقرروا ركوب هذه الحافلات لخمس دقائق فإنهم سيلمسون الحالة الميكانيكية المتردية لناقلات شركة “مدينة بيس” التي تم التفويض لها بخدمة الركاب البيضاويين، فهذه الشركة لم تقتن حافلات جديدة منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وهو ما جعل عددا من أسطولها يتحول إلى هياكل متنقلة تجوب شوارع “كازا نيكرا” في حالة يرثى لها، إذ يعاني ركابها الويلات جراء استعمالهم حافلات بدون كراس وأبواب ونوافذ بدون زجاج، وغيرها من أبسط مقومات حقوق الركاب.

تحرش جنسي

من الأمور التي تزيد من تأزيم وضعية الركاب المغلوبين على أمرهم، تضاؤل عددها الذي أصبح في بعض الخطوط المهمة لا يتجاوز حافلتين أو ثلاث، وهو ما يعني ترقب ساعة ونصف ساعة من الزمن في انتظار الحافلة التي قد تأتي أو لا تأتي بسبب الأعطاب المتكررة أو محاصرتها من قبل الركاب الذين سئموا من إهانة كرامتهم وحشرهم كالسردين في العلب، وهو الوضع الذي يشجع على التحرش الجنسي بالنساء من قبل عدد من الأشخاص الذين يستغلون المناسبة لتفريغ مكبوتاتهم بالاحتكاك بفتيات في عمر الزهور أو نساء أنهكتهن ظروف العمل.
التحرش الجنسي الذي صار وصمة عار تسائل مسؤولي المدينة، يتسبب أحيانا في ملاسنات وحالات عنف متبادل بمجرد مغالبة إحدى الضحايا صمتها وفضح المُتحرش، الذي يجد نفسه وسط أياد خشنة تتقاذفه بعد سلسلة من “شرع اليد” ولولا تدخل بعض الأشخاص للصفح عنه أو طرده خارج الحافلة لكان في عداد الهالكين.
التحرش بالنساء في حافلات نقل المدينة تسبب في انقطاع عدد من الزوجات عن العمل صونا لكرامتهن وحرصا على أعراضهن وشرف أزواجهن، وهو ما يزيد من حجم معاناة أسرهن التي كانت بحاجة ماسة لمن يعيلها أو يشارك رب الأسرة في تدبير قوت يومي أصبح صعبا, في ظل سياسة ضرب القدرة الشرائية التي عرفها المغاربة بفعل الزيادات المتكررة في الأسعار.

شبح الطرد

من بين الأمور التي صار يشترك فيها البيضاويون ويعتبرونها قاسما بينهم، شبح الطرد من العمل أو المدرسة، إذ يؤدي تأخر وسائل النقل بمختلف أصنافها من السابعة صباحا إلى غاية العاشرة والنصف وكذا تعسفات سائقي سيارات الأجرة في فرض شروطهم على الراغب في الاستفادة من خدماتهم، إلى تأخر العمال والموظفين والتلاميذ في الوصول إلى وجهاتهم.
وعاينت “الصباح”، اضطرار مجموعة من الرجال والنساء والشباب إلى الاستعانة بعملية “أوطو سطوب” ودراجات “التريبورتور”، التي رغم خطورتها على حياتهم يقررون خوض مغامرة ركوبها، حتى لا يتم طردهم سواء من قبل أرباب العمل أو مسؤولي المؤسسات التعليمية.

تعسف الطاكسيات

“ما عجبكش الحال شري طوموبيل” عبارة طالما سمعها المواطن البسيط الذي يجرؤ على الاحتجاج على السائق جراء بعض التجاوزات التي يرتكبها، على غرار رفضه نقله إلى وجهته، إذ يتحول السائق إلى الآمر والناهي وعندما لا يروقه العنوان المطلوب يغلق زجاج نافذته وينطلق مسرعا تاركا الشخص متسمرا في مكانه.
ومن السلوكات الأخرى التي يقوم بها سائقون لا يحترمون الزبون ولا أخلاقيات المهنة، توقفاتهم المتكررة ومكوثهم في محطات متنقلة بهدف استقطاب عدد إضافي من الركاب، ما يجعل المواطن يتخلف عن مواعده أو توقيت عمله، وهي المدة التي تجعل الراكب يخرج عن صمته ويستشيط غضبا في وجه السائق الذي يرد عليه بوابل من الشتائم والسب، ما يحول المكان إلى حلبة للملاسنات وتبادل للكمات في أحيان أخرى.

“الكونطرولا” الحاضر الغائب

إذا كان أغلب مراقبي حافلات النقل الحضري بالبيضاء، يتميزون بتدخلاتهم التي تتجاوز القانون في حق مستعملي الحافلة ممن لا يتوفرون على تذكرة الرحلة، فإنهم مقابل ذلك لا يقومون ببعث تقرير إلى مسؤولي الشركة، لما يقع في الحافلات التابعة لها من تجاوزات، سواء تعلق الأمر بسلوك السائق أو عصابات السرقة التي تستهدف الركاب الذين يفترض أن تحميهم الشركة مقابل التعاقد الذي يربطهم بمجرد اقتناء التذكرة عوض الاكتفاء بالزيادة في أسعارها والتجول بحافلات مهترئة.

إنجاز : محمد بها / تصوير : (عبد اللطيف مفيق)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق