fbpx
بانوراما

طقـوس السلطـان الصباحيـة … عادات القصر السلطاني

لم تكن تقاليد البروتوكول المخزني مكتوبة ولا تصدر لا في مراسيم أو ظهائر، إنها أعراف تُتوارث عبر أجيال داخل قصر السلطان حتى شكلت تراثا غنيا،  ومجالا مركزيا يؤسس ثقافة السلطة بالمغرب ويرعاها. فهي المركز الباعث لنظام الحكم والطاعة والخضوع، عبر تحديد قواعد وضوابط وآداب البروتوكول المخزني المفروضة على مختلف مؤسسات المملكة. ويشكل كتاب “العز والصولة في معالم نظم الدولة” للمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان (توفي سنة 1946)، والصادر عن المطبعة الملكية مطلع الستينات، أحد أهم المصادر التاريخية التي تتبعت مختلف الأنظمة والأعراف الإدارية التي كان معمولا بها في الدولة المغربية إلى حدود مطلع القرن الماضي، وبيان لأحول السلاطين وعاداتهم المتبعة داخل القصور، وفي هذه الحلقات تأخذكم “الصباح” في جولة عبر بعض فصوله التي توثق لعادات وتقاليد مرعية ب”دار المخزن” منها الزائل ومنها ما هو باق.

الحلقة الأولى

طقـوس السلطـان الصباحيـة

بعد الانتهاء من صلاته يستعد لطقس الفطور الذي تأتي به الإماء الطباخات تتقدمهن ״العريفة״

يقول بن زيدان عن نظام الوقت لدى السلاطين العلويين “كانوا يقسمون أوقاتهم الليلية والنهارية، حسب شؤونهم الدينية والدنيوية، حربية وسلمية حتى لا تذهب ثانية من الثواني سدى”.
ويضيف “أخذوا فلكيين ماهرين يرصدون أوقات العبادة وضبط الزمان، وأعدوا لهم أمكنة بملحقات القصر يقيمون بها، فيها من المراصد والآلات الميقاتية كل عجيب، ويجرون عليهم من الجرايات ما يلائم مركزهم العلمي، ووظيفهم الديني، فإذا دخل وقت الصلاة يعلم الميقاتي بذلك، فيخرج السلطان لأداء الفريضة مع حاشيته بالقصر، يكون الإعلام بالفجر قبل دخول وقته بساعتين، ثم بساعة ونصف، ثم بساعة، ثم بنصف ساعة”.
“فإذا طلع الفجر أعيد الإعلام فيصلي السلطان الفجر داخل القصر، ثم يخرج لصلاة الصبح بمسجده، فيجد “الطواشية” (الخصيان والمجبوبون) مصطفين داخل الباب وكذلك أطفال العبيد، فيؤدون التحية الملوكية، ويجد خارج الباب أصحاب الوضوء، ثم “الفرايكية” (المكلفون بالزي الملكي) وأصحاب السجاد والفراش. وبمجرد وصول السلطان لباب المسجد تقام الصلاة، ويصطف المصلون في صف واحد مع السلطان، يكون الحاجب عن يمينه، وقائد الوضوء عن شماله، ثم إذا سلم الإمام يتنحى عن مصلاه ويرجع القهقرى مع بقية المصلين، ويصطف الجميع خلف السلطان، فإذا فرغ من ذكر الباقيات الصالحات يرفع كفيه للدعاء، ثم يفتتح الحزب القرآني”.
وبعد أن يخلو السلطان من صلاته في المسجد يستعد لطقس الفطور الذي يميز فيه بن زيدان بين ما “يطبخ بمطبخة الجزارين” وبين ما يطبخ بمطابخ القصر، تأتي به الإماء الطباخات الحاملات له على نظام خاص يسر الناظرين، تتقدم أمامهن “العريفة” بيدها عصا تتوكأ عليها، وخلفها من أتباعها حملة الطواجن، ثم حاملات الموائد، ثم العجانات حاملات لأطباق الخبز، وكذلك حاملات الخبز، وكذلك حاملات الطواجن، أما الموائد فتحمل على الرؤوس، (…) ولا يأتي الجزار بخبز، إذ الخبز الذي يقدم للسلطان لا يعمل إلا بداخل القصر، ومن الضبط المحكم في أوقات الأكل أن الوقت نفسه الذي يحمل فيه الجزار ما طبخ هو الوقت بعينه الذي يحمل فيه الإماء ما طبخن وعجن، إذ يصل الكل في آن واحد لباب القصر الذي يتناول فيه الأكل.
ويقول بن زيدان إنه كانت “العادة محكمة جارية منذ العصر الإسماعيلي أن السلطان يأكل وحده حسبما حفظ التاريخ ذلك في كل وقت، وقد غمز إلى ذلك مؤرخو الإفرنج أيضا كالأب بيسنوا في مؤلفه “حكاية حوادث بالمغرب على عهد لويس الرابع عشر” إذ قال “إن مولاي إسماعيل كان لا يتناول الطعام مع نسائه وما يحمل من الطعام يوضع أمام العريفة إذ تكون بالمباح، أو خلف محل جلوس السلطان لتوزعه، فإذا فرغ من الأكل انصرفت العريفة ومعيناتها لشأنهن، ثم تقدم المشروبات مثل الحليب والأتاي، وهكذا الشأن في الغداء والعشاء كل يوم حضرا وسفرا، غير أنه بعد ما يقضي الأمير راتبة تهجداته، يأتي الجزارون بأطباق الفاكهة، التمر المعروف ببوزكري، والجوز واللوز، ثم ينام، وتتناوب خادمات القصر على المبيت بمباح القبة التي يكون بها مبيت السلطان، وهن المكلفات بتهيئة الفراش عند النوم، والماء للوضوء، وتنبيه الإمام عندما يعلم الطواشي بالأوقات الليلية قبل الفجر وبعده”.
وقد يتجول السلطان خلال بيوت القصر في بعض الليالي، ويدخل القباب، وربما واسى وأعطى، وفي بعض الأحايين يتجول مستخفيا بقصد الاستطلاع.

إعداد: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى