fbpx
بانوراما

إمبراطورية الجنرالات … رؤوس العـصابة

إمبراطورية الجنرالات (الحلقة الخامسة)

عقيد سابق يحكي كيف أمسكت «عصابة» الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها منذ 1988

كشفت إفادات عسكريين جزائريين قرروا الهروب من قلعة الجيش الجزائري أن الجنرالات لا يمكن ائتمانهم على مآل الحراك، وأن المحاكمات الجارية ما هي إلا تصفية حسابات مع سياسيين ورجال أعمال تجرؤوا على سطوة الثكنات على النظام، كما هو الحال بالنسبة إلى محمد سمراوي، الجنرال قائد الأمن العسكري سابقا، الذي تؤكد روايته في كتاب “سنوات الدم” أن حملة مكافحة الفساد ما هي إلا وسيلة للسلطات لمحاولة تقسيم الحركة الاحتجاجية، وتصفية حسابات داخلية، وأن مرحلة ما بعد بوتفليقة الجزائر بلغت نقطة مفصلية، إما أن تبدأ السلطة في إصلاحات لتغيير النظام ككل، أو العودة إلى أصلها الاستبدادي.
وتؤكد مجريات الأحداث بعد انتفاضة 1988 كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها، وتعد سوق العقارات من الأسواق الخصبة لـ”بزنس عسكر الجزائر”، إذ كشفت التحقيقات الأخيرة مع خمسة جنرالات امتلاكهم لثروات كبيرة، وشركات عقارية برؤوس أموال ضخمة.

قضية غرف التجارة أكبر دليل على ممانعة الجيش لعملية الإصلاح الاقتصادي

لما اتضح أن الإصلاح الاقتصادي الذي قام به رئيس الحكومة الجزائرية مولود حمروش سائر في طريق إلغاء مصادر الانتفاع بالنسبة إلى هؤلاء المفترسين، كان رد فعلهم عنيفا، إذ بدؤوا “ينشرون” الفضائح الملفقة في “الصحافة المستقلة” ضد الإصلاحيين.
وبدأت بشائر الإصلاحات تكشف الطفيليين وتسحب البساط من تحت أرجل الوسطاء المنحرفين الذين كانوا يسيطرون على شبكات الاستيراد، والاتجار في المواد الضرورية المستوردة ذات الاستهلاك الواسع كالسكر والقهوة والدواء والحبوب.
إن قيام مولود حمروش بهذه العملية لتحقيق القطيعة مع الأسلوب القديم أقلق أصحاب رؤساء “المافيا” السياسية والمالية في البلاد، وهذه التسمية كانت كناية تستعملها “الصحافة المستقلة” لتفادي تعيين المسؤولين الحقيقيين، وذكرهم بأسمائهم، قاصدة بذلك زمرة جنرالات مرتشين ما فتئوا يستنزفون الاقتصاد الوطني منذ 1980.
في الوقت الذي كانت فيه العمولات الهامة التي يقبضونها بطريقة غير قانونية من هذه العمليات تتراوح كحد أدنى ما بين 10 في المائة و15 من المبالغ الإجمالية للصفقات المبرمة، ما يمثل مصدر ثراء لا يقل عن مليار دولار في السنة، بدأ مولود حمروش يتعرض لحملة منظمة لزعزعة استقراره، وهي مدبرة ومنسقة من بعض المصالح، خاصة مصالح الصحافة التابعة للأمن العسكري والتي كان يشرف عليها العقيد جيلالي مراد، المدعو صالح، وتلك التابعة للرئاسة والتي كان الجنرال توفيق قد تنازل عنها للجنرال بن جلطي، المعروف بـ “حسن تيطوان”، وقد كانوا يستعملون لذلك جريدة في ملكية محمد مقدم، المدير السابق للإعلام بالرئاسة والصديق الشخصي للجنرال توفيق.
وظل الوزيران المكلفان آنذاك بحقيبتي الاقتصاد والداخلية يتعرضان لهجوم متواصل من قبل الآلة الدعائية للجيش، ووصل الأمر حد إطلاق إشاعة مفادها أن الوزير المستهدف يهودي، مستدلين على ذلك بتعامله مع يهودي مغربي يدعى ريمون بن حاييم عضو مكتب دراسات فرنسي، لمساعدته في إعادة تنظيم التجارة الخارجية، خاصة في ما يتعلق بالعقود المبرمة من قبل شركة “أنابال” المكلفة باستيراد المواد الاستهلاكية الأساسية، مع المؤسسات الأجنبية.
وبفضل إصلاحات حمروش أصبحت الشركة المذكورة مستقلة وبدأت تعطي نتائج إيجابية، انعكست على انخفاض الأسعار وتحسن طرق التموين، قبل أن تمتد التجربة إلى شركة النقل البحري واستيراد السيارات، وما تبع ذلك من انخفاض التكلفة وتحسن الخدمات، واتضح أن احتكارات المقربين من العسكر كانت سبب الأزمة، فتركزت الهجمات الدعائية على مكتب الدراسات الفرنسي، واتهم الوزراء المعاملون معه بأنهم عملاء لإسرائيل.
وكانت قضية غرف التجارة أكبر دليل على ممانعة الجيش لعملية الإصلاح الاقتصادي، إذ بتعليمات من رئاسة الجمهورية كانت هذه الهيآت ستصبح مستقلة ومسيرة بمجلس إدارة منتخب بهدف قطع الصلة بين القطاع الخاص المنتج ووزارة التجارة، وإجبار أرباب العمل الخواص على الاضطلاع بمسؤولياتهم، دون انتظار الحصول على ريع الامتيازات، لكن الجنرالات عرقلوا منح صلاحية التسيير المباشر لعملية التموين الخارجي ونقل رؤوس الأموال للقطاع الخاص.
ياسين قُطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى