fbpx
بانوراما

كتب في حياة بوسلهام الضعيف … سعد الله ونوس كاتب من زماننا

بوسلهام الضعيف…كتب في حياتي (8)

راكم المسرحي بوسلهام الضعيف تجربة مسرحية ثرية وخصبة، وطنيا وعربيا، كما يساهم في التكوين والتأطير والتنظيم والبحث الأكاديمي، إلى جانب إبداعاته الغنية. اشتغل في الصحافة، خاصة في النقد الفني في مرحلة من مساره الغني. في هذه الزاوية (كتب في حياتي )، يقدم بوسلهام الضعيف لقارئ “الصباح” جزءا من تجاربه في القراءة بلغة سهلة وشفافة، تخاطب مجمل القراء…

عندما وقف الكاتب المسرحي سعد الله ونوس ليلقي كلمة اليوم العالمي للمسرح لسنة 1996، كانت تلك أول مرة يختار فيها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونيسكو، فنانا مسرحيا عربيا، للمشاركة في النداء العالمي للمسرح، الذي يصل إلى كل خشبات العالم وهي تحتفل بيومها العالمي.
كان ونوس ساعتها يعيش معاناته مع الألم، الذي تحول عبر إلى كلماته إلى أمل. ونوس، الذي تفاعل مع النكسات والخيبات في مسرحه، استطاع أن يبث في النفوس روح المحارب الصلب: (إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ. منذ أربعة أعوام، وأنا أقاوم السرطان. وكانت الكتابة، وللمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي. خلال السنوات الأربع، كتبت وبصورة محمومة أعمالا مسرحية عديدة. ولكن ذات يوم، سُئلت وبما يشبه اللوم: ولم الإصرار على كتابة المسرحيات، في الوقت الذي ينحسر فيه المسرح، ويكاد يختفي من حياتنا! باغتني السؤال، وباغتني أكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني بل وأغضبني.
طبعا كان من الصعب أن أشرح للسائل عمق الصداقة المديدة، التي تربطني بالمسرح، وأن أوضح له أن التخلي عن الكتابة للمسرح، وأنا على تخوم العمر، هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي، وقد يعجلان برحيلي. وكان علي لو أردت الإجابة أن أضيف: إني مصر على الكتابة للمسرح، لأني أريد أن أدافع عنه، وأقدم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حيٍا وأخشى أنني أكرر نفسي، لو استدركت هنا وقلت: إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن، إنه وظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحا وفقرا، لو أضاعها وافتقر إليها !!).
لم يكن سعد الله ونوس مسرحيا مهادنا، فارتبط مسرحه بقضايا مجتمعه ومن ثم تفاعل مع المواطن في الجغرافيا العربية، حيث بدا متأثرا بالمسرحي بريشت، مدافعا عن مسرح تسييسي، تصبح فيه الكلمة فعلا. في مرحلة الهواة شكلت لدينا أفكار ونوس مرجعا أساسا، حيث كنا نراهن بعد كل مسرحية أن يخرج الجمهور بمظاهرة، كنا نحاول أن نغير المجتمع، المجتمع تغير ولكن ليس بالمسرح، المسرح يعيش عزلته وقوته.
ارتبط سعد الله بقضايا العروبة والقضايا السياسية، فكان مسرح انعكاسا لقضايا سياسية، مثل هزيمة 1967، بل أن غزو لبنان وحصار بيروت في 1982 جعلاه يهجر الكتابة ويبتعد عنها …. ورغم ما وقع من تغيير في العالم العربي، من سقوط قيم وتلاشي أفكار، فإن نصوص ونوس قاومت كل هذه العواصف وبقيت محافظة على راهنيتها، لأنها في العمق تراهن على الشعر وعمق الكتابة.
وأنا أعيد قراءة كتابات ونوس الكاملة، اكتشفت ونوس المحاور للتجارب المسرحية العالمية، ففي حواره مع (جان لوي بارو) ثمة نقاش فكري حول مرجعيات (بارو) الإيدولوجية والمجتمعية. فونوس لم يكن يقدم حوارا صحفيا للقارئ، بل قراءة مشاكسة في تجربة (بارو) المسرحية. (جان لوي بارو) الذي مثل مسرحا برجوازيا لم يصمد أمام رياح التغيير فاحتل شباب ماي68 مسرح الأديون بباريس حاملين شعار (الخيال يستلم السلطة).
بلغة شفافة تصيب هدفها، صور (ونوس) (جان لوي بارو) ومن خلاله عبر عن صراع إبداعي أزلي (هذا هو جان لوي بارو . بدأ من قصيدة مسرحية متعالية، ينشدها بالإيماء والغناء، ليقهر حس الموت في داخله، ولأن الموت وحده ملموس ومرعب، فإنه أدار ظهره لكل الاضطرابات، والمذابح التي تزعزع عصرا يحفل بالنضال والصراعات اليومية. أراد أن يسمو عن الآني واليومي، فتواطأ، وربما دون عن قصد مع سلطة تقمع وتدمر إنسانية الإنسان).
عيسى الكامحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى