حوار

العمراني: نحن ضد الإسلام السياسي

مؤسس “مغرب الأنوار” قال إن الفكر الظلامي عشش في العقول والهدف من تأسيس جمعيته هو التنوير

أكد عبد الإله العمراني أن الهدف من وراء تأسيس جمعية “مغرب الأنوار”، التي ابتدأت على “فيسبوك” قبل أن تحصل على الترخيص القانوني لتخرج إلى الوجود، هو نشر الفكر التنويري واستقطاب أكبر عدد ممكن من المثقفين الراغبين في التعبير عن آرائهم، من أجل التأسيس لمجتمع مدني قوي يمكنه أن يسير بالبلاد نحو الأمام. وقال العمراني، في حوار أجرته معه “الصباح”، إن جمعيته ليست ضد الإسلام الذي يحمل الكثير من القيم الكونية السامية والنبيلة، بل ضد الإسلام السياسي الذي يريد أن يحجر على الأفكار ويضيق على الحريات، مضيفا أن الملكية أفضل ضامن للاستقرار وهي التي تحمي المغرب من التطرف. تجدون مزيدا من التفاصيل الأخرى في الحوار التالي:

أجرت الحوار: نورا الفواري / تصوير – (عبد الحق خليفة)

< هل يمكنكم أن تعرفوا القارئ بجمعيتكم "مغرب الأنوار"؟ وكيف تأسست وما هو الهدف من وراء تأسيسها؟
< جاءت فكرة تأسيس الجمعية تدريجيا. منذ 30 سنة تقريبا وأنا أكتب حول مواضيع التنوير ومشاكل العالم الإسلامي وانتشار الفكر الظلامي والوهابي، الذي ابتلي به المغرب منذ 50 سنة تقريبا وغزا البلاد وتسبب في العديد من المشاكل وغيّر نمط العيش "اللي كانو غادين عليه المغاربة". قبل سنوات، كنا نلجأ إلى رؤساء تحرير الصحف ونطلب منهم نشر مقالاتنا. منهم من كان يقبل ومنهم من كان يرفض. كان لدينا مشكل كبير في إيصال فكرتنا ورسالتنا. تغيرت الأمور اليوم مع الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي سهلت علينا المهمة. أصبحنا نتبادل أفكارنا وآراءنا بسلاسة وسهولة، وهو ما جعلني أفكر في تأسيس مجموعة فيسبوكية تحت اسم "مغرب الأنوار"، التي كانت تضم مجموعة من المثقفين قبل أن تصبح مفتوحة أمام جميع المغاربة بمختلف فئاتهم، شرط أن يكون هاجس التنوير محركهم للكتابة والتفاعل. في مدة 8 أشهر على تأسيس الجمعية، استطعنا بلوغ 10 آلاف و500 مغربي من بين 15 مليون مغربي موجودين على موقع "فيسبوك"، ونأمل في أن ينضم إلينا المزيد لنصل إلى الملايين، سواء عبر "فيسبوك" أو عبر الجمعية التي خرجت إلى الوجود، أخيرا، بعد أن حصلنا على الترخيص القانوني. هدفنا نشر الفكر التنويري والأخذ والرد ومناقشة الأفكار لما فيه خير لهذا البلد, الذي يحتاج إلى هذا النوع من النقاش الهام والمصيري.

< هناك من يتهمكم بمعاداة الإسلام بسبب هجومكم على التيارات الإسلامية والمحافظة في البلد. كيف تردون؟
< نحن لسنا ضد الإسلام الذي يحمل الكثير من القيم والمبادئ الكونية النبيلة والراقية والجميلة. نحن ضد الإسلام السياسي الذي ظل يضغط على المجتمعات الإسلامية لمدة 1400 سنة. نريد أن نبين الفرق الشاسع بينهما. الإسلام السياسي شدد الخناق على المسلمين ومنعهم من التعبير عن رأيهم وألزم الناس بعدم التفكير وبالتعبير فقط عن أفكار الجماعة والفقهاء، الذين أيدوا ودعموا الإسلام السياسي، الذي كان وبالا على الشعوب الإسلامية ومنعها من التفكير أصلا.

يجب التعامل مع الدين بالعقل والمنطق

< ألا تعتقدون أن مهمتكم شاقة في مجتمع نسبة الأمية فيه عالية؟ وألا تجدون أن من الصعب على عقول عشّش فيها الجهل سنوات أن تقبل أفكاركم ومواقفكم وتتبناها أو تقبل على الأقل مناقشتها؟
< طبعا هي مهمة شاقة جدا. الفكر الظلامي عشّش في العقول والنفوس منذ السبعينات إلى اليوم. والوهابية سخّرت لذلك جميع الوسائل، من كتب و"فيديوهات" و"كاسيتات" كانت توزع مجانا على المغاربة، قبل أن تنتقل إلى القنوات التلفزيونية التي خصصت لها ميزانيات ضخمة لإنتاج برامج ومضامين وهابية ظلامية. قبل خمسين سنة، لم يكن المغاربة يعرفون مثل هذه الخطابات. أتذكر والدتي تذهب للتسوق بالتنورة. لم يكن الحجاب طاغيا مثلما عليه الحال اليوم… قبل أن "يدخلو لينا هاد السم". فعلا المجموعة ستجد صعوبة في استقطاب المتابعين، لكننا سنفعل ما بوسعنا لإقناع المغاربة بالانخراط معنا لأن الطريقة التي أصبحت تسير بها البلاد خلال خمسين سنة الماضية، ليست مناسبة لنا. الله جاءنا بالدين ولم يأتنا بالإسلام السياسي. يجب أن نأخذ من هذا الدين ما يناسبنا ويناسب عصرنا. يجب أن نتعامل معه بالعقل والمنطق. الكل اليوم مثلا يتحدث عن الفساد. ولو كان الإسلام الحقيقي مطبقا، لم نكن لنعرف الفساد والرشوة و"هاد تابانضيت اللي كاينة". لو كان الإسلام الحقيقي، بمعانيه السامية الكبرى مطبقا، هل كانت حالة التعليم ستكون مثلما هي عليه اليوم, بعد أن أصبح الوهابيون يتدخلون في عقول الناشئة ويسمّمونها بأفكارهم الظلامية. الأساس في التكوين هو أن يكون الفكر والعقل نظيفا نقيا منذ البداية. أما حين يكون مملوءا بالخرافة والخوف من عذاب القبر وجهنم، فمن المستحيل أن ينتج عنه فكر انتقادي ومنتج ومبدع. إننا ندمر الجانب الإنتاجي والإبداعي في الناشئة، والنتيجة هي أمامنا اليوم. لم نستطع أن نقلع اقتصاديا ولا اجتماعيا. تعليمنا العمومي رديئ. قبل 40 أو 50 سنة، كان التعليم عموميا ومجانيا وذا جودة عالية، والمدارس العمومية التابعة للدولة خرجت العديد من المسؤولين والمثقفين والنخبة.

نحتاج إلى مجتمع مدني مؤثر

< ما هي توجهات أعضاء الجمعية، سواء الفكرية أو السياسية؟
< مؤسسو الجمعية هم مجموعة من المثقفين. وحين أقول مثقفين، فأنا لا أعني بهم الأشخاص الذين تعلموا في المدارس العليا والمعاهد الكبرى فقط، بل كل من لديه أفكار حداثية ويريد أن يعبّر عنها، لا أن يحتفظ بها لنفسه. لأن مشكلنا في هذا البلد، هو أن لدينا الكثير من المتعلمين والأطباء والمهندسين والمدرّسين والباحثين وأصحاب الدبلومات العليا الذين لا يعبّرون عن أفكارهم ولا يتكلمون. وبالنسبة إلي، الدور الأساسي للمثقف هو أن يعبر ويساهم في فتح النقاش داخل مجتمعه. عليه أن يكون عضوا فاعلا في المجتمع المدني من أجل صنع رأي عام حقيقي. إنه واجبه، لأننا في حاجة ماسة إلى مجتمع مدني مؤثر يسمح لنا بالتطور والسير إلى الأمام. منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، قام بتدابير في غاية الأهمية لصالح تحديث البلاد وتقدمها، ولعل أهم ثورة قام بها، هي مدونة الأسرة التي وقفت ضدها جميع التيارات الإسلامية الظلامية، التي خرجت في تظاهرة مليونية من أجل التصدي لإصلاحها… استجاب الملك أيضا لمطالب حركة 20 فبراير من خلال فتح الباب أمام تعديلات دستورية مهمة، كان من جملتها حرية المعتقد، قبل أن يتصدى لها الظلاميون من جديد، فتم التغاضي عنها في نهاية المطاف، رغم أنها نقطة في غاية الأهمية لأن حرية المعتقد هي أساس الدين. وقد جاءت في آيات قرآنية صغيرة، لكنها قوية (لا إكراه في الدين… فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…)… رأسمال الإسلام السياسي هو التضييق على الحريات، بجميع أنواعها، لأن العقول إذا تحررت، بارت تجارتهم…

الملكية تحمينا من التطرف

< ألا تعتقدون أن الإصلاحات الدينية تحتاج إلى إرادة سياسية عليا؟
< الملكية هي أفضل ضمان للاستقرار مثلما سبق أن قلنا وأكدنا في العديد من الندوات، التي نظمتها الجمعية. الملكية هي التي تحمي المغرب من التطرف. من حق الملك وحده أن يتخذ قرارات لها علاقة بالدين وأن يطلب فتوى أو رأيا شرعيا من المجلس العلمي الأعلى حول قضية دينية معينة… "من غيرو ما كاينش"… الملك "هوا اللي حافظ هاد البلاد من جميع أنواع التطرف، ومن الإسلام السياسي"… إنه حريص على الحفاظ على الإسلام المعتدل للمغاربة. ما وقع، هو أن الإسلامويين وصلوا إلى الحكم وأخذوا الكثير من الأهمية اليوم، واستطاعوا أن يتغلغلوا وسط الشعب لأنهم يملكون وسائل مادية ضخمة لذلك… لا أحد يعرف من أين يتحصلون عليها… يملكون العديد من الجمعيات لإرشاء الشعب… يجوبون الأحياء الشعبية والفقيرة وفي البوادي والضواحي، يوزعون المال ويساعدون كل من هو في حاجة… "اللي عندو عرس كا يقومو بيه اللي عندو جنازة عندو ختانة… كا يتكلفو… الناس محتاجين اللي يتعاون معاهم وبالتالي، كا يمشيو معاهم فالخط". جمعيتنا تطالب الدولة، من هذا المنبر، بالتدخل والتحقيق في مدخول هذه الجمعيات. "بغينا نعرفو منين تا يجيبو هاد الفلوس كلها"… خاصة أن الانتخابات على الأبواب. ونحن لا نريدها أن تكون مبنية على الرشوة، بل أن يصوت الناس عن اقتناع. الإرادة السياسية موجودة منذ بداية حكم الملك محمد السادس، الذي أبان عن توجه حداثي ديمقراطي ينتصر للحريات، لكنه في الوقت نفسه محكوم بمجموعة من الاعتبارات ولا يمكنه اتخاذ قرارات صادمة… الإرادة موجودة، لكن الذي يؤثر على الرأي العام ليس الملكية ولا الحكومة، بل مجتمع مدني قوي وحاضر في جميع قضايا المجتمع، يمكن للأحزاب السياسية أن تسايره وتسانده…. فوحده المجتمع المدني يمكن أن يسير بالبلد في الطريق الصحيح. وهذا هو هدف الجمعية الذي تتمنى بلوغه.

المغاربة فقدوا الثقة في المستقبل

< كيف يمكنكم بلوغ هذا الهدف والمجتمع المدني غائب والمثقفون في أبراجهم العاجية والخطابات التي تروج متعالية ولا تصل إلى جميع فئات الشعب؟ ألستم تحاربون طواحين الهواء؟ ما الذي يمكنكم أن تضيفوه؟ وكيف ستتمكنون من استقطاب الناس؟
< فعلا، هناك صعوبة لإبلاغ الرسالة، لكن إيماننا كبير ورغبتنا في السير إلى الأمام موجودة وقوية. نحن لا نملك الوسائل المادية التي يملكها الإسلامويون، لكننا لا نريد أن نرشي الناس. من الصعب تحقيق خطوات كبرى لأن الكثير من الفئات في المجتمع فقيرة وجاهلة ومحتاجة، ونحن لا نملك الوسائل لاستمالتها إلى جانبنا. المغاربة فقدوا الثقة في المستقبل. وهذا مشكل عام خطير. الأطر التي يتم تكوينها تهاجر البلد. وتلك التي تتكون في الخارج، تفضل عدم العودة. نريد تأسيس مجتمع مدني حقيقي يمكنه أن يسترجع هذه الثقة. وهذا عمل شاق وجبار يتطلب وقتا ونفسا طويلا. و"خاص شي واحد يديرو كيفما كان الحال". منذ تأسيس المجموعة الفيسبوكية، وبعدها الجمعية، استطعنا تكسير العديد من "الطابوهات" والمسكوت عنه، خاصة من خلال الندوات التي نظمناها واستضفنا فيها أصواتا وعقولا متنورة…

< هل تطمح جمعيتكم في أن تصبح حزبا؟
< لدينا طموحات من أجل تأسيس تحالف أحزاب تناضل من أجل القيم الكونية وتحارب الظلاميين وتضم في صفوفها أشخاصا وأسماء نزيهة ذات مصداقية. هدفنا الأكبر التأسيس لمجتمع مدني يستحق اسمه، يمكن للأحزاب أن تعول عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض