fbpx
حوار

الجباري: السلطة القضائية مازالت تابعة للحكومة

الجباري الكاتب العام لنادي قضاة المغرب قال إن الاستقلال الحالي يقتصر على الاستقلال الإداري والمؤسساتي

يرى عبد الرزاق الجباري، الكاتب العام لنادي قضاة المغرب، أن المؤسسات القضائية منزهة ومتعالية عن الحسابات التي لن تخدم السلطة القضائية والعدالة في شيء، وعلى رأسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وأضاف في حوار مع “الصباح” أن توجه نادي قضاة المغرب بمطالبه إلى الحكومة كان من منطلق أنها هي المسؤولة، دستوريا وقانونيا وواقعيا، عن توفير الموارد المالية الكفيلة بأداء السلطة القضائية لعملها.
في ما يلي نص الحوار.

< مباشرة بعد وقفة 29 يونيو للنادي، توصل قضاة بمقررات إحالتهم على التأديب، كيف تفسرون ذلك؟
< يتعين، أولا، التدقيق في الكلمة المستعملة، وأن نتفق على أن الأمر لا يتعلق بوقفة كما تفضلتم، وإنما بلقاء عام شبيه بجمع عام لجمعية نادي قضاة المغرب، دعا إليه مكتبها التنفيذي، وحضره حوالي ألف قاض وقاضية، وذلك لتحقيق غايتين أولاهما، تتعلق بتقديم وثيقة "التحصين الاجتماعي والاقتصادي لاستقلالية السلطة القضائية" التي أعدها المكتب المذكور، والتوقيع عليها من قبل كل القضاة الحاضرين قبل عرضها على القضاة الذين تعذر عليهم الحضور بمقار عملهم. بينما، تتحدد الغاية الثانية من اللقاء المذكور، في التدارس الجَماعي للسبل العملية واختيار الأشكال التعبيرية الكفيلتين بالدفاع عن كل تلك المطالب وتحقيقها، بما يضمن تنفيذها على أرض الواقع من قبل القضاة أنفسهم، بعيدا عن منطق القرارات الفوقية الصادرة عن الأجهزة المسيرة دون الرجوع إلى القاعدة، خصوصا في مثل هذه القضايا الكبيرة ذات البعد الوطني العام، وهي طريقة ديمقراطية في التسيير، انتهجها نادي قضاة المغرب في كثير من المحطات.

< ولكن هل هناك علاقة بين قرارات التأديب واللقاء؟
< بالفعل توصل بعض القضاة بقرارات تعيين مقرر في حقهم بُعَيد لقاء 29 يونيو، وقد أثارت الكثير من الأسئلة، تفرعت عنها، في الوسط القضائي، جملة من التفاسير، خصوصا بعد حوالي سنة من استماع المفتشية العامة للقضاة المعنيين بها. ومن تلك التفاسير ما ربطها بمواقف بعض القضاة داخل النادي في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وعن الضمانات الدستورية والقانونية المقررة للقضاة. بينما هناك من رأى فيها تضييقا على حرية القضاة في التعبير. وذهب طرف ثالث إلى القول إن الغرض من كل ذلك هو التضييق على جمعية "نادي قضاة المغرب" ومواقفها النقدية البناءة، خصوصا إذا علمنا أن القضاة المعنيين بتلك القرارات كلهم ينتمون إلى الأجهزة المسيرة لها. فيما نحا جانب رابع إلى ربطها بلقاء 29 يونيو كما ألمحتم إلى ذلك في سؤالكم، إلا أننا في "نادي قضاة المغرب"، نتحفظ موضوعيا، وبكل صدق، عن ترجيح هذا التفسير أو ذاك، إلى حين اتضاح الرؤية وأعتقد – شخصيا- أن المؤسسات القضائية منزهة ومتعالية عن هذه الحسابات التي لن تخدم السلطة القضائية والعدالة في شيء، وعلى رأسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

< منح دستور 2011 القضاة الحق في التعبير، غير أن المتابعات التي تجري بين الفينة والأخرى تكشف غير ذلك، في نظركم ما السبب وراء ذلك؟
< بالفعل، أقر الدستور المغربي في فصله 111 حرية تعبير القضاة، بعد أن كان النظام الدستوري المغربي خاليا من ذلك. ومن الطبيعي عند استحداث أي مؤسسة دستورية أو قانونية جديدة غير مألوفة، أن تعتريها بعض العراقيل والصعوبات عند تنزيلها وفق ما أراده المشرع. ولا ريب في أن سبب هذه وتلك، لا يخرج عن أمرين اثنين: إما رفض تلك المؤسسة من الأصل، لذلك تجد من يرفضها لا يتوانى في نصب العداء لها كلية. وإما عدم وضوح معالمها بما يكفي لممارستها.
ونعتقد، أن هذه الحالة الثانية هي التي تنطبق على حرية القضاة في التعبير، ذلك أنها تخضع لتجاذب ثلاثة تيارات أساسية: أولها، يتوسع في تفسير واجب التحفظ لدرجة إفراغه للحق الدستوري في التعبير من كل محتوى، بل قد يُصَيِّره هو الأصل والحرية هي الاستثناء، بدعوى أن القاضي لا يمكن له التعبير عن رأيه إلا من خلال أحكامه. بينما يُضَيق، ثانيهما، من نطاق واجب التحفظ، حتى تصير ممارسة القاضي لحقه في التعبير والرأي غير منضبطة لأي قيد أو شرط. فيما هناك تيار ثالث، ينبني على فكرة الاعتدال، إذ لا إفراط فيه ولا تفريط، وهو المعمول به في عدة تجارب قضائية مقارنة، كما أنه يمتح فلسفته من المواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة.

< مرت حوالي السنتين ونيف على استقلال السلطة القضائية، ماذا حقق ذلك بالنسبة إلى القاضي؟
< لنتفق، أولا، عن أن استقلالية السلطة القضائية ليست ميزة للقضاة، وإنما هي قُررت لفائدة المجتمع والمواطن. ومن هذا المنطلق، فإن من باب أولى التساؤل: عما تحقق للمجتمع والمواطن؟
فمعلوم، خلال هذه المدة، أن ما تم تحقيقه لا يعدو أن يكون استقلالا إداريا ومؤسساتيا، في حين، ظل الاستقلال المالي والاقتصادي شبه مفقود، ذلك أن السلطة القضائية ما زالت متوقفة على السلطة التنفيذية في توفير الموارد المالية الكفيلة بأداء عملها، مع ما ينطوي عليه ذلك من تبعية مالية قد تؤثر لا محالة على الاستقلالية المؤسساتية.
وبسبب هذه التبعية، انبرى نادي قضاة المغرب للمطالبة بالتحصين الاقتصادي والاجتماعي لاستقلالية السلطة القضائية، وذلك من خلال مطالبته بإقرار مجموعة من التدابير والإجراءات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي التي لا مناص منها للتنزيل الفعلي والحقيقي لاستقلالية القضاء، في أفق تعديل القوانين التنظيمية المنظمة لهذه السلطة، وإقرار استقلاليتها من الناحية المالية كما سبق أن طالبنا به أثناء إعداد القوانين المذكورة.

قضاة النادي ليسوا اندفاعيين

< تثار مسألة تواصل المجلس الأعلى للسلطة القضائية في كل مرة مع محيطه، هل استطاع المجلس تجاوز ذلك؟
< بالفعل، أثيرت في مرحلة سابقة مسألة تواصل المجلس الأعلى للسلطة القضائية مع محيطه، وكانت لدينا، في نادي قضاة المغرب، بعض الملاحظات بخصوصها، وهي الملاحظات التي أعلنا عنها في إبانها.
غير أنه، وبعد هذه المرحلة، انفتح المجلس الأعلى للسلطة القضائية علينا كجمعية، وأحدث، منذ سنة من الآن، لجنة مكونة من الأعضاء المعينين برئاسة الوكيل العام رئيس النيابة العامة، وذلك من أجل إحداث جسر للتواصل وتبديد سوء الفهم الذي قد يحصل بين الفينة والأخرى.
واجتمعت معنا هذه اللجنة، منذ تأسيسها إلى الآن، مرتين فقط، وإن كانت قليلة بالمقارنة مع التحديات المشتركة، فقد كان الاجتماعان معها مثمرا، قمنا من خلالهما بإيصال الكثير من ملاحظاتنا إليها، والتي رفعتها بدورها، ولا شك، إلى أنظار المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وبهذه المناسبة، ندعو اللجنة المذكورة إلى استئناف اجتماعاتها مع جمعية نادي قضاة المغرب، والتفكير في سبل تطور هذه التجربة بما يكفل تحقيق الفعالية والنجاعة المطلوبتين من تلك الاجتماعات.

< يتهم البعض قضاة النادي بالاندفاع وعدم احترام واجب التحفظ، إلى أي حد يمكن اعتبار الأمر صحيحا؟
< ما يعتقده البعض اندفاعا، قد يعتقده البعض الآخر دفاعا عن استقلالية السلطة القضائية. لذلك، لا أعتقد أن هذا الأمر صحيح البتة، بدليل أن هناك من يرى في قضاة النادي منزعا حقوقيا غير محافظ، ورغبة في التشبث بالدستور والقانون والتوجيهات الملكية السامية ليس إلا.

النادي يدافع عن حقوق القضاة
< يتهم البعض نادي قضاة المغرب بمحاولة تجاوز المؤسسات في شأن التعامل مع القضايا الكبرى؟
< هذا كلام غير صحيح، لأن نادي قضاة المغرب، من جهة أولى، هو جمعية مهنية مؤسسة في ضوء الدستور والقانون، وتعمل في إطارهما، ومعلوم أن الدور الدستوري للجمعية المهنية، هو الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وعن حقوق القضاة ومصالحهم المشروعة، وهو الدور نفسه الذي أشار إليه جلالة الملك محمد السادس في كلمته الملقاة عند افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ فاتح مارس 2002. وبالتالي، فمن غير المستساغ اجتماع فكرة الدفاع والقول بتجاوز المؤسسات. ومن جهة ثانية، فإن التاريخ يسجل طَرق نادي قضاة المغرب باب التواصل مع كل المؤسسات المعنية كلما تطلب الأمر ذلك، ولا أدل على هذا من اجتماع مكتبه التنفيذي مع اللجنة المنبثقة من المجلس المشار إليها أعلاه، ومن محاولاته المتكررة للتواصل مع وزارة العدل بخصوص مطالبنا الأخيرة، المتعلقة بالتحصين الاقتصادي والاجتماعي.

الحكومة هي المسؤولة عن توفير الموارد
< ألم يتجاوز النادي مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية عندما توجه إلى الحكومة بخصوص هذه المطالب ؟
< لا نعتقد ذلك إطلاقا، لأن عمل النادي، كجمعية مهنية مستقلة، هو مُكمل لعمل باقي المؤسسات القضائية، ومنها، ولا شك، المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
لذلك، فالتوجه بمطالبنا إلى الحكومة كان من منطلق أنها هي المسؤولة، دستوريا وقانونيا وواقعيا، عن توفير الموارد المالية الكفيلة بأداء السلطة القضائية لعملها، وأن هذه المسألة لا يملكها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بل هو نفسه يتوجه إلى الحكومة لضمان ذلك، بدليل مكاتبته لوزارة العدل ومطالبتها بالإسراع في إخراج النصوص التنظيمية المتعلقة ببعض التعويضات.
< في نظركم ما هي الأولويات التي يجب على المجلس الأعلى للسلطة القضائية الانكباب عليها؟
< ليس هناك من شك في جسامة المهام الموكول إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية الاضطلاعُ بها، خصوصا في مجال تنزيل ضمانات استقلالية السلطة القضائية، وهي الضمانات التي تعتبر قطب رحى مشروع إصلاح القضاء.
ومن هذا المنطلق، وفي هذه المرحلة التأسيسية، نعتقد أنه يتعين الانكباب فيها على أكثر القضايا أهمية، تنزيلا للدستور والقانون ومختلف التوجيهات الملكية السامية، ومنها بالأساس: تخليق منظومة العدالة، ودعم استقلالية القضاء، وحماية استقلالية القضاة، وضمان حقوق وحريات القضاة …
رقن الأحكام وطبعها ليس عملا قضائيا
< طالبتم خلال اجتماع 29 يونيو بأن يتم تعويض القضاة على تحرير الأحكام ألا يعد ذلك أمرا مبالغا فيه؟
وجب التمييز، في هذا الصدد، بين تحرير الأحكام، أو بالأحرى مشاريع الأحكام، وبين رقنها وطبعها. ونحن لم نطالب بالتعويض عن التحرير الذي يظل عملا قضائيا أصيلا طبقا للقانون، وإنما طالبنا بالتعويض عن عملية رقن وطبع مشاريع تلك الأحكام التي تظل عملا إداريا محضا، تتولى تصريفه الإدارة في إطار تدبيرها للنجاعة القضائية كما هو معمول به في عدة تجارب مقارنة، مع ما تحمله هذه العملية من أعباء إضافية على العمل الأصيل للقضاة وجب تعويضها.
وبهذا المنطق، واعتبارا لما توفره عملية رقن القضاة لأحكامهم وعدم تركها للإدارة من ترشيد للزمن القضائي، فلا نعتقد أن المطالبة بالتعويض عن تلك العملية أمر مبالغ فيه إطلاقا، وإنما هو حق مستحق للقضاة.

< يعتبر البعض أن القول بأن القاضي منهوك ماديا فيه إساءة للصفة الاعتبارية، كيف تفسرون ذلك؟
< لا شك أن هذا البعض، هو نفسه من اتهم قضاة النادي بالاندفاع دون أن يحرك ساكنا في اتجاه التحسين الحقيقي للوضعية الاعتبارية للقاضي. لذلك، وبعد تسجيل تحفظنا على كلمة "المنهك"، فإن الإساءة إلى الصفة الاعتبارية لا يكمن في المطالبة بتحسينها اجتماعيا بما يليق بها حقيقيا وليس صوريا، وإنما في عدم التحسين التلقائي لها دون أن يطلبها القاضي، وفي النكوص عن فعل كل ما قد يؤدي إلى تحسينها بدعوى "واجب التحفظ"، مع أن واجب الجمعيات المهنية، هو الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وعن حقوق القضاة ومصالحهم المشروعة، وفي صدارتها تحسين وضعيتهم الاجتماعية، تدعيما لاستقلاليتهم من الناحية الاقتصادية وتحصينها.

واجب التحفظ ينصب على المهام الوظيفية

بالاطلاع على هذه التجارب والمواثيق، كما هو معلوم لدى كل المهتمين، نستخلص أن مفهوم "واجب التحفظ" ينصب على أمرين كليين اثنين، مهام الوظيفية القضائية، أو ما يصطلح عليه بـ "المنصب القضائي"، بما يتضمنه من عدم التعليق على الأحكام والخروج على مبدأ الحياد، ثم نزاهة القضاء في شقها المرتبط بالوقار والكرامة، أما ما دون ذلك فلا يمكن تقييده بواجب التحفظ، خصوصا إذا تعلق الأمر بالعمل الجمعوي المقيد من الناحية الدستورية والكونية، فقط، بمراعاة استقلالية القضاء والتجرد.
وتأسيسا على ذلك، يمكن القول بأن مدلول "واجب التحفظ"، هو "تحرز القاضي عند ممارسته لحرية التعبير، من الخوض في ما قد يخل بحياده واستقلاليته، سواء بتعليقه على حكم قضائي أصدره أو شارك في إصداره، أو بإبداء وجهة نظره في قضية من المحتمل عرضها عليه، أو في قضية معروضة على القضاء أو من شأنها أن تعرض عليه، أو بإبدائه لموقف سياسي انحيازا لهذا الطرف أو ذاك".

يجب إصدار مدونة السلوك

حتى لا يُتَعَسف في تفسير المتابعات التي تجري بين الفينة والأخرى لبعض القضاة من أجل ممارستهم لحقهم في التعبير، نعتقد أن من أولى أولويات هذه المرحلة، إصدار مدونة السلوك المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، بعد فتح نقاش تشاركي بخصوصها مع مختلف الجمعيات المهنية وجمعيات المجتمع المدني المهتمة بالعدالة، وهي المدونة التي ستضطلع، لا محالة، بتحديد نطاق واجب التحفظ، ووضع لائحة بالأفعال التي تعد خرقا له، حتى تصطبغ المتابعات المبنية عليه بالشرعية القانونية إعمالا لمبدأ "لا مخالفة تأديبية ولا عقوبة إلا بنص".
أجرت الحوار : كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى