fbpx
منبر

منتصر: المسلمـون يستلـذون الكسـل العقلـي

المفكر المصري خالد منتصر قال إن الإعجاز العلمي مجرد وهم

قال المفكر المصري خالد منتصر إن العلاقة المتشنجة بين الدين والعلم مفتعلة بسبب سوء الفهم لاختلاف طبيعة كل مجال، وأضاف الإعلامي والطبيب أن الخلط بين المجالين يؤدي إلى التنقيص من أحدهما، وأنه يجب أن نحفظ للدين ونصوصه المقدسة مكانتهما، بعيدا عن تغيرات العلم وتجدده المستمر.

< ما سر علاقة العداء التي نشأت بين الدين والعلم لدى بعض المسلمين؟ < المسألة لا تتعلق بالإسلام فقط، بل بجميع الأديان. كان هناك هذا الصراع نتيجة عدم فهم أتباع أي دين لمعنى العلم ومعنى الدين، وأنهما مجالان منفصلان تماما، ولكل منهجه، وخلط هذا بذاك كمن يرسم لوحة بقوس كمان، أو كمن يزن بالكيلومتر، فلكل واحد منهما أداته، فالعلم أداته الشك والتساؤل، والدين أداته الإيمان والإذعان، ولا ينفع أن تستخدم هذا المنهج في ذاك أو العكس، فنحن نضر بالاثنين معا. وقد حسمت المسيحية العلاقة بعد صراع طويل ما بين الكنيسة والعلماء نتيجة محاولات تطبيق الفهم الحرفي للكتاب المقدس على النظريات والاكتشافات العلمية، وكانت قمة الصراع في قضية العالم الإيطالي الشهير غاليليو، في القرن السابع عشر، إذ نشب الصراع عن فهم آيات ومقاطع معينة من الكتاب المقدس التي يستفاد منها أن الأرض لا تدور حول الشمس وأنها ثابتة، فكان قول غاليليو لا شأن لي بألفاظ الكتاب المقدس لأن أداتي هي التلسكوب والحسابات الفلكية، فكانت محاكمته هي الحد الفاصل بين زمنين، زمن التفسير الديني للعلم وزمن ما بعد غاليليو والاعتماد على العلم التجريبي والملاحظة والاستقراء. < هل يمكن إسقاط هذه العلاقة المتشنجة بين العلم والكنيسة على الإسلام والمسلمين في الفترة الحالية أو في فترات سابقة؟ < المشكلة نفسها مر بها المسلمون مع أنهم مُنحوا علاقة غير وطيدة ما بين رجال الدين والعلم وأنه لا كهنوت في الإسلام، لكن المسلمين ضيعوا تلك الفرصة الذهبية، وتم افتعال الصراع ما بين الدين والعلم وتقريبا كل علماء المسلمين الذين نفتخر بهم تم تكفيرهم من قبل رجال الدين. المشكلة في الإسلام أن هذا الصراع استمر كثيرا وإلى الفترة الحالية، لعدة أسباب، وأنه على عكس المسيحية لم يظهر لنا مارتن لوثر مسلم يجدد في فهم التفكير الديني للإسلام، أو على الأصح تم نفي هؤلاء من الثقافة الإسلامية، على عكس المسيحية التي سرعان ما استوعبت تلك الأفكار التجديدية الدينية حتى داخل الكنيسة الكاثوليكية، التي انعكس ذلك إيجابا عليها لدرجة أن المستمع لخطابها حاليا يرى انفتاحا فكريا ربما يصدم الكثيرين، فقد اعتذروا لغاليليو واعترفوا بنظرية التطور لداروين، كما قال البابا إن قصص الكتاب المقدس رمزية وليست حرفية، لكن الإسلام  والمسلمين لم يستطيعوا السير في الطريق نفسه وما زال ابن تيمية منتصرا على ابن رشد. < قضية العداء الإسلامي للعلم ربما تتحكم فيها اعتبارات منهجية أيضا والاختلاف الجوهري بين المجالين؟ < الدونية التي يحس بها المجتمع الإسلامي، تجاه الغرب الأوربي أو الأمريكي، بدلا أن يحلها، أو يردم تلك الفجوة بمزيد من اللحاق بركب العلم، فإنه يقلل من شأن العلم الغربي، ويشتمه و"يشمت فيه" ويقول إنه مسروق من تراثنا، ويفرح كثيرا لفشل مركبة فضائية أو احتراقها، أو أن السرطان لم يظهر له دواء بعد، وكأنه صراع أزلي ما بين الله والعلم. فقوة العلم في نسبيته واقتناعه أنه لا توجد إجابات نهائية، لأنه دائما هناك أسئلة وقضايا معلقة. < وماذا عن محاولات البرهنة على صحة الأديان من خلال العلم؟ < الدونية والتخلف اللذان يعيشها المجتمع الإسلامي، يجبرانه على السير في أحد الطريقين، إما طريق الجهد والعرق والبحث العلمي والمعملي حتى يكسب ويلحق بهذا السباق، أو الطريق الآخر وهو أن يظل كسيحا ومشلولا في مكانه يقدح ويذم في الغرب، ويقول براحة ضمير وكسل أن الغرب قد اقتبس هذا من نصوصي المقدسة، فالاختيار الثاني ليس فيه أي جهد، لأن العلم مجهد ومقلق، والإنسان العربي أو المسلم يؤثر السلامة ويستلذ بالكسل العقلي، فيحل هذه المشكلة عن طريق ادعاء الإعجاز العلمي في القرآن والأحاديث. < نقطة الإعجاز سبق أن وصفتها في كتاب شهير لك بأنها مجرد وهم، هل ما زلت عند فكرتك؟ < نعم، ما زلت مقتنعا بذلك، إذ أن أكثر كوارثنا العلمية هي نتاج هذا الفهم، وأؤكد أن عدم وجود إعجاز علمي في أي كتاب مقدس لا ينتقص من الدين على الإطلاق، حتى لا يصبح هذا مرادفا للخروج على الدين، فمن الممكن أن تكون متدينا وتؤمن أيضا بأن نصوصك لا تحمل أي إعجاز علمي، لأنك إن قلت العكس فإنك تعرّضها للتقلب العلمي وتجعل المطلق السماوي متمرغا في أوحال التضارب والتسارع، وأعتقد أن ذلك يؤدي إلى الشك في الدين وليس سبيلا للإيمان والتمسك به. < ألا تنطوي عبارات من قبيل "علم الدين" أو "علماء الدين" على نوع من المفارقة؟ < لا يوجد علماء دين، لأن الدين ليس علما وإنما معارف، وهناك فرق بين المفهومين، هناك رجال دين، لكن عندما أقول علماء دين كأنني أقول أبيض أسود، فالعلم هو القابلية للتكذيب والتحقق، لكن الدين شيء آخر، فمثلا لا يمكن أن أثبت لك الآن أنه هناك جنة أو نار أو أن هناك عذاب قبر أو حياة بعد الموت، لأنه لم يرجع أحد بعد الموت ليخبرنا بذلك، لكن من السهل جدا أن أخبرك أن المكان الذي تقف فيه يوجد تحته بئر بترول أو لا يوجد بواسطة أدوات وآليات مخصصة لذلك. < هناك قضية أخرى تتعلق بتعارض نتائج البحث والكشوفات العلمية مع ما يرد في الكتب المقدسة مثلا قصة الخلق أو عمر البشرية أو غيرها؟ < نحن الذين خلقنا المشكلة، القرآن لم يدع أنه كتاب علم، نحن الذين طلبنا منه أن يكون كذلك، كما صنع المسيحيون المشكلة عندما ظلوا يبحثون في كتابهم عن عمر البشرية وقدروها بحوالي ستة آلاف سنة، ثم حدثت الصدمة الكبرى عندما اكتشف العلم أن الأمر يتعلق بملايين السنين بل مليارات، إذن حل المشكلة هو أن تترك الكتاب المقدس أو القرآن في حاله، وتتعامل معه ككتاب هداية ووعظ، أو تلوي عنق النص، إذ أن خارج الجانب القصصي هناك نصوص عادية جدا نزلت لأهل ذلك الزمان حتى يفهموها، فيأتي الآن أصحاب دعوات الإعجاز العلمي فيزعمون أن الآية الفلانية هي نظرية النسبية، أو أن تلك الآية تتعلق بمراحل تكور الجنين، فأنت بهذا تضع كتابك المقدس وقرآنك عرضة للبحث المعملي وعرضة للتكذيبات العلمية، فجوهر العلم هو المحاولة الدائمة والتشكيك وهو ما لم نفهمه. < هناك بعض القضايا العالقة مثل مسألة كروية الأرض التي ما زالت ممنوعة من التدريس في بعض الدول الإسلامية فقط لأنه تكشف مأزقا دينيا ومعرفيا؟ < حل هذا أن نفهم كما حاول المفكر نصر حامد أبو زيد، أن يفهمنا نحن المسلمين أن القرآن فيه جانب تاريخي، يخضع لزمان ومكان نزوله، فلا بد أن يتحدث القرآن اللغة العربية لأنه نزل في بيئة عربية، ولا بد أن يتحدث بمعارف وبفهم بشر ذلك الزمان، حتى يستطيع أن يقنعهم بالدخول في الإسلام، ولا بد أن نحافظ، نحن المسلمين، على سر قوة القرآن وهو أنه نزل متفاعلا مع الواقع، ولم ينزل ألواحا مسبقة. للأسف ضيعنا تلك الفرصة، في فهم أن النص المقدس كان ينزل تفاعلا مع الواقع حتى نفهم أن التغيير في الواقع هو الثابت الوحيد في الكون، وأننا مطالبون يوما بعد يوم بتطوير أفهامنا بل وبتغيير بعض تفسيرات تلك النصوص لملاءمتها مع الواقع كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب سنوات قليلة بعد نزول القرآن حين أعطى تفسيرا متجددا لقضية المؤلفة قلوبهم، بعد أن تبين له أن الواقع تغير، فكيف الآن بعد مرور 14 قرنا لم نستوعب بعد رسالة هذا الخليفة من وراء هذا الإجراء. أجرى الحوار: عزيز المجدوب   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى