افتتاحية

تواطؤ

تكتسح شركات التنمية المحلية مزيدا من مساحات القرار والفعل بالعاصمة الاقتصادية، حتى تحولت إلى “بعبع” يهابه الجميع، بمن فيهم الوالي الجديد نفسه، الذي اختفى عن الأنظار منذ تعيينه في هذا المنصب في فبراير الماضي، خلفا لعبد الكبير زهود، الذي لم يكن أحسن حالا منه.
وبمرور الأيام، تحول المديرون إلى حكام فعليين للمدينة، يتصرفون في ميزانيات ضخمة متأتية من المال العام، ويقررون في شكل وحجم المشاريع التي يحتاجها البيضاويون وطريقة برمجتها وتنفيذها وتدبيرها، دون حاجة إلى ممثلي السكان في مجلس المدينة والمقاطعات، في ضرب صريح لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، المنصوص عليه في الدستور.
فلأول مرة في تاريخ تدبير الشأن المحلي بالمغرب، يتوارى المنتخبون إلى الوراء لفسح المجال إلى “شركات” تتحدد مهامها، حسب القانون التنظيمي للجماعات المحلية، في السهر على تنفيذ مشاريع وبرامج متفق عليها في مخططات عمل تشكل موضوع تعاقد سياسي مع الناخبين.
ونكاد نجزم أن توزيع الأدوار بين الحزب الأغلبي بالمدينة وشركات التنمية المحلية (خصوصا الكبيرة منها) ينطوي على اتفاق مسبق بين الطرفين، يتفرغ الأول بموجبه إلى عمل انتخابي دائم ومستمر في المقاطعات عن طريق ما يسمى مشاريع القرب الممولة من 10 في المائة من الميزانية العامة للجماعة، ويستفيد الطرف الثاني (الشركات) من هامش كبير للتحرك، خصوصا في ما يتعلق بتدبير الميزانيات الضخمة المخصصة للمشاريع المهيكلة الكبرى المدرجة في مخطط التنمية.
وبهذا الشكل، يكون حزب العدالة والتنمية ضرب عصفورين بحجر واحد: أولا، إخلاء مسؤوليته السياسية أمام المنتخبين مما يجري اليوم بالبيضاء من منطلق “ماشي أنا الحاكم بل الوالي والشركات”، ثم الاستفادة من ريع المشاريع المنجزة في عدد من المناطق الواقعة تحت نفوذه، والممولة من هذه الشركات نفسها.
وأضحت هذه العلاقة مكسبا يفتخر بها أعضاء الحزب ومنتخبوه في اجتماعاتهم، ما يفرض على الجهات المسؤولة التحرك لوضع حد لهذا التواطؤ، الذي تحول البيضاويون بموجبه إلى رهائن بأيدي منتخبين ومديري شركات يضعون مصالحهم فوق كل اعتبار.
وإذ لا نشكك في ذمة ونوايا أي الطرفين، ولا نرمي الناس بالباطل وبيوتهم بالحجارة، فإن مسطرة الفحص المالي والتقني من قبل جهات التحقيق المعروفة، أضحت ضرورة ملحة لوضع الأصبع على الاختلالات حتى لا تتحول إلى اختلاسات ومصائب تورط المدينة في فضائح في غنى عنها.
لقد مرت سنوات على دخول المدينة نمط التدبير عن طريق شركات التنمية المحلية، من المفروض أن ترافقه عمليات “أوديت” دورية من المفتشيتين العامتين لوزارتي الداخلية والمالية والمجلس الأعلى للحسابات وباقي أجهزة الرقابة الكبرى.
افتحاص ضروري وعاجل، حتى نعرف مع من نحن بالضبط بهذه المدينة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق