fbpx
بانوراما

“إلهي ما أعظمك” روحانية السنباطي وإحساس نجاة

الأغنية الدينية … قصص وكواليس 11

يحتل الغناء الديني مكانة هامة في حياة الإنسان، ويكون له تأثيره البالغ في لحظات الصفاء النفسي والسمو الروحي التي تنتاب الإنسان في حياته. واتخذ هذا النوع من الغناء، الذي يعتبره المؤرخون أصل الطرب العربي، أشكالاَ متعددة تؤدى في المناسبات المختلفة وتتنوع صوره وأنماطه، فمنها المدائح النبوية، والمواويل الدينية، والقصص الشعبي الديني، للمناسبات المختلفة والتواشيح الدينية، وأناشيد صلاة العيدين. عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أشهر حكايات الأغاني الدينية التي ميزت تاريخ الأغنية العربية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، كما تستحضر جانبا من كواليسها و”أسباب نزولها”.
عزيز المجدوب
وحدها الصدفة هي التي قادت الموسيقار رياض السنباطي إلى حنجرة المطربة نجاة الصغيرة، نهاية الخمسينات، وقتها كان اسم السنباطي على كل لسان، بعد أن تألقت ألحانه وذاعت مع صوت أم كلثوم، لكن سيدة الغناء أصابتها الغدة الدرقية وأصبح صوتها مهددا واضطرت للسفر إلى أمريكا لتلقى العلاج.. فى تلك الفترة استمع السنباطي بالصدفة إلى مطربة جديدة حديثة السن تغنى رائعته “نهج البردة” قصيدة شوقي، التي لحنها وشدت بها أم كلثوم.. كانت المطربة الصغيرة تؤدى الأغنية الصعبة بإتقان وإحساس وروعة جعلت ملحنها ينتظر بشغف إلى جوار جهاز الراديو إلى أن انتهت الأغنية وعرف اسم المطربة الجديدة: نجاة الصغيرة (تمييزا لها عن نجاة أخرى أكبر عمرا وأسبق تجربة هي نجاة علي).
في غمرة تلك اللحظة قرر السنباطي أن يلحن لنجاة استغلالا لوقته الطويل في غياب أم كلثوم، وكان باكورة ألحانه لها في أغنية “يا سلام عليك” من كلمات عبد المنعم السباعي (مؤلف أغنية أم كلثوم الشهيرة “أروح لمين”).
لحّن السنباطي لنجاة عشر أغنيات على امتداد سنوات تلت، فبالإضافة إلى أغنية “يا سلام عليك” قدم لها خمس أغنيات من كلمات حسين السيد: “إلهي ما أعظمك”، و”أنا أملك”، و”يا اللي قلبك”، و”يا حبيب الله” و”يا رب”.. وأغنيتين من كلمات مأمون الشناوي هما”حبيبي سامعني” و”سامحني”.. ومن كلمات عبد الوهاب محمد: “حد قالك”.. واختار من رباعيات الخيام التي ترجمها أحمد رامي أبياتا مختلفة عن تلك التي لحنها وغنتها أم كلثوم.. لكن الرباعيات الجديدة لنجاة لم تحظ بنصيب رباعيات أم كلثوم من الاهتمام والإنصات، رغم أن السنباطي لم يبخل في رباعياته لنجاة، ووضع فيها كل جهده وموهبته وعبقريته.
عشرة ألحان كاملة لكنها لم تكن مؤثرة في مسيرة نجاة ولا السنباطي، اللحن الوحيد الذي حظي بالشهرة هو “إلهي ما أعظمك” الذي غنته سنة 1963، وذلك لسبب غير فني رغم براعة اللحن والصوت، ذلك أن الأغنية كانت تذاع بشكل مكثف وملح بعد رفع الأذان في قنوات التليفزيون.. ولسنوات طويلة، بل إن حسين السيد كتبها كما كتب “يا رب” و”يا حبيب الله” لهذا الغرض بالضبط، أي أن تكون أدعية بسيطة بنكهة صوفية، بعد رفع الأذان.
واختار السيد السنباطي بحكم أن الموسيقار الراحل كان أشبه بملك متوج على عرش الألحان الدينية، بعبقريته وأصالته وثقافته، وأيضا بالروح الصوفية التي كانت تفيض من ألحانه.
وعندما انتهى حسين السيد من كتابة الأغنية استدعى صديقه المخرج محمد سالم وتحمس للأغنية وحصل المخرج على كل الموافقات اللازمة ليقوم التلفزيون بإنتاجها وتصويرها.
وحمل حسين السيد كلماته وذهب إلى السنباطي ليتولى تلحينها، وكان يعتقد أنه سيغنيها بصوته مثلما فعل في أغنيتهما السابقة “إله الكون”، لكن السنباطي بعد أن قرأ كلمات الأغنية وداعبه اللحن، رشح نجاة الصغيرة لتغنيها، فقد رأى أن صوتها بما يحمله من إحساس وقدرة على التعبير يليق بهذه الأغنية وجوها ولحنها وتصويرها.
وغنت نجاة الأغنية بأروع ما يكون الإحساس والأداء، وتماهت مع مطلع الأغنية الذي يقول “إلهي ما أعظمك في قدرتك وعلاك/ إلهي ما أرحمك في غضبتك ورضاك/ إلهي ما أكرمك للعبد لو ناداك/ جلت صفاتك يا من لا إله سواك…”، وبلغت فيه الذروة عند المقطع الأخير الذي تقول فيه “على خدود الحجر ساب الزمن تجاعيد/ تحكي لدنيا البشر قصة ملوك وعبيد/ الكل راح واندثر واتساوى في المواعيد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى