fbpx
بانوراما

نجمة المحيط … مقهى فني بامتياز

الجديدة… شذرات من تاريخ منسي 12

وشمت ذاكرة الجديدة بأسماء شخصيات ساهمت، من زوايا مختلفة، في كتابة حقبة مهمة من تاريخ المدينة والإقليم، وكان لها الفضل في ترك آثار مادية تشهد لها بالمساهمة في صنع تحولات هامة على المشهد العام لعاصمة دكالة.
وكما ظلت تلك الشخصيات حية وباستمرار في وجدان الأهالي، استمر عشق أماكن عديدة بالمدينة يسكن قلوبهم، لأنها بحمولة تاريخية وبرمزية كبيرة حتى وإن نالت منها عوادي الزمن، فإنه حق فيها قول الشاعر: “تلك آثارنا تدل علينا… فانظروا بعدنا إلى الآثار”.

زاره محمد السادس مرتين لما كان وليا للعهد ولعب به البليار
نجمة المحيط، أو مقهى “محماد”، كما كان يحلو للجديديين تسميته، كان بربوة عالية بحديقة محمد الخامس، وهو جزء من الذاكرة الفنية والثقافية للمدينة.
في زمن لم تكن فيه مهرجانات ولا ملتقيات فنية، كان أبرز مكان يقدم الفرجة والتنشيط لسكان المدينة وزوارها، سيما المراكشيين، الذين كانوا مرتبطين أشد الارتباط بالجديدة.
شيدت نجمة المحيط في الحقبة الاستعمارية، وامتلك تسييرها أول مرة ابن علال، وصهره الجزائري، قبل أن يتحول تسييرها إلى محمد أعراب، القادم من “تهالة”.
وتخصصت نجمة المحيط في الشاي والقهوة التي يتم تهييئها في أباريق، لأنه لم تكن آلة صنع القهوة معروفة في ذلك الوقت.
تحولت نجمة المحيط في تسييرها، منذ 1958، إلى محمد أعراب، الذي طلب من الباشا محمد لعلج، الذي كان يساعد الخليفة ابن المامون، أن يرخص له باستعمال مكبر صوت، يبث بواسطته أغاني أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومحمد الحياني وغيرهم، وطلب منه كذلك أن يرخص له بإقامة أمسيات غنائية، خاصة مساء كل جمعة وسبت وأحد، ووافق الباشا ومده برجلين من القوات المساعدة يؤمنان الحراسة.
ويتذكر الجديديون أنه، بفضل نجمة المحيط، تمكنوا من حفظ خالدات أم كلثوم ومنها رباعيات الخيام.
كانت مقهى نجمة المحيط المكان الذي احتضن الأغنية الشعبية بشكل كبير، والمكان الذي انتشرت منه الأغاني الغربية مع فيغون وآخرين، بل كان المكان الذي أحيى فيه الكوميديون الداسوكين والزعري والمرحوم بنبراهيم أمسيات كثيرة.
وأذكر أن نجمة المحيط هو أول مقهى أدخل “البينيي” (إسفنج مرشوش بالسنيدة) على يد المعلم أحمد البيضاوي، وشكل ذلك أيام زمان منافسة شرسة للإسفنج البلدي الذي كان يبدعه ويتقنه المعلم أحمد “السفناج”، الذي كان محله على يمين مدرسة الصفاء الحسنية.
في سنوات السبعينات، ونحن أطفال، كنا نلعب “البليار” بـ 20 سنتيما، وذات عصر من أيام غشت 1974، بينما كنا منهمكين في اللعب، طلب منا نادل بالمقهى أن نغادر المكان على عجل، ولما التفتنا، رمقنا شخصا يصعد الدرج وبجانبه طفل أنيق المظهر، عرفنا في ما بعد أنه ولي العهد آنذاك، جلالة الملك محمد السادس، وأن الشخص المرافق له هو محمد عواد، وعرفنا أن ولي العهد رغب في أن يلعب “البليار” معنا، فكان أن لعبنا معه معززين مكرمين رغم أنف النادل، وعرفنا في ما بعد أنه كان يقضي جزءا من عطلته بالجديدة بدار الخطيب وأنه زار معمل “فايزر” للأدوية الذي كان يعرف بمعمل “لوبوتي فار مغرب” والتقط له هناك المصور المرحوم سي أحمد الشماع صورا تاريخية، وتكررت زيارة ولي العهد لنجمة المحيط مرة أخرى.
وفي سنة 1994، قرر المرحوم الحسن الثاني الاحتفال بعيد الشباب بالجديدة، وبالضبط بحديقة محمد الخامس، وترأس إدريس البصري، وزير الداخلية، عدة اجتماعات بمقر عمالة الجديدة للتهييء للاحتفالات، واستقر الرأي على إزالة نجمة المحيط مؤقتا، لتكون مكانها لوحة تاريخية بأجساد شباب كثر تدربوا لهذه الغاية، وقدمت أمام المرحوم الحسن الثاني عدة لوحات وضمنها “تخريجة” المحضار التي نالت إعجاب جلالته وبشهادة الجميع، والتي كانت أنجح احتفالات في تاريخ أعياد الشباب.
وبعد احتفالات عيد الشباب لسنة 1994، ماطل المجلس البلدي في منح ترخيص لإعادة بناء نجمة المحيط من جديد وفق تصميم آخر، واستمر الحال كذلك لتنتهي قصة نجمة المحيط، المقهى الفني، الذي وشم ذاكرة الجديدة وزوارها لفترة طويلة.
عبد الله غيتومي (الجديدة)

نافذة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى