fbpx
افتتاحية

سقط القناع

سقط القناع الذي كان على شفا أن يسقط، فتعرينا أمام العالم (على البث المباشر) حتى بانت عوراتنا للجميع، وقدمنا الدليل بأننا محضُ كائنات بشرية مُتخلفة، بينها وبين الحضارة سنوات ضوئية.
في لحظة، انكشف كل شيء، وظهرنا على حقيقتنا البدائية، شعوبا وقبائل إفريقية تنتمي إلى زمن العار وشراء الذمم وبيع الشرف والعهود والالتزامات في سوق النخاسة من أجل حفنة مال.
فما وقع الجمعة الماضي بملعب رادس بتونس يختزل مأساة إفريقية جماعية تُقنع المنتظم الدولي (للمرة الألف)، بأننا نستحق ما نحن عليه من رجعية وتخلف وجهل وأمية وفقر وهشاشة وظلم وسوء توزيع للعدالة والثروة.
ومن سوء حظنا أن مباراة “العار” التي ذُبح فيها القانون والأخلاق والروح الرياضية على مذبح “الفار”، لٌعبت قبل يوم واحد من بطولة أخرى في قارة أخرى، ما أهدى للعالم برمته “لذة” المقارنة بين “التخلف” في أبرز تجلياته، وبين الحضارة في أنقى صورها، لاعبين ومسيرين ومؤطرين ومشرفين وجمهورا وتتويجا.
هذه هي الصور التي طافت قنوات العالم في نهاية الأسبوع عن أكبر فضيحة في كرة القدم في تاريخ القارة وأمام ملايين المشاهدين الذين رأوا كيف تنزل “دولة” بكل قوتها وجيشها وأمنها إلى الملعب لترهب مسيرين وحكاما ومنظمين وضيوفا وإعلاميين، وتفرض حالة طوارئ حربية قصوى وتخير الجميع: إما بقاء الكأس في تونس أو الموت للجميع.
لم يحدث هذا المشهد الرهيب حتى في عز الديكتاتوريات الكبرى في العالم التي كان زعماؤها أرحم بالكرة والجمهور، لكن يحدث في القرن الواحد والعشرين في دولة عربية وإفريقية صغيرة عرف مسؤولوها كيف يحولون جهازا اسمه “الكنفدرالية الإفريقية لكرة القدم” إلى حديقة خلفية لهم يفعلون فيها ما يشاؤون.
وكان ممكنا أن تستمر هذه المهزلة إلى ما لا نهاية مع فريق تلطخ تاريخه وألقابه بالفضائح، لولا فطنة مسؤولي الوداد البيضاوي الذين تنبهوا إلى “المقلب” المهيأ على نار هادئة، فقلبوا الطاولة على الجميع بتوقيف المباراة إلى حين الاحتكام إلى تقنية “الفار”، وبعد ذلك مغادرة الملعب ومقاطعة مراسم التتويج، بعد أن أعلن أحمد أحمد، رئيس “كاف” نهاية المباراة.
كان القرار في مستوى اللحظة التاريخية، إذ كان لا بد أن يقف أحدٌ أمام الإعصار ويقول للأسد إن فمك “خانز” دون لف أو دوران، ويفضحه أمام كاميرات العالم التي وثقت الفضيحة بالصوت والصورة والألوان ونشرتها على نطاق واسع.
لكن هل يكفي ذلك؟
قطعا لا.
إن الحرب على الفساد في أجهزة الرياضة في إفريقيا انطلقت على التو، ولا ينبغي أن تتوقف عند حدود بلاغات التنديد والاستنكار والشجب، أو حتى إجراءات ومساطر قانونية ومرافعات لدى “فيفا” والمحكمة الرياضية الدولية لانتزاع حكم في قضية، بل ينبغي أن يكون لها وجه سياسي مكشوف يخوض هذه الحرب بحرفية كبيرة، وقدرة على الاستقطاب والتعبئة والتغيير.
إن تاريخ الفساد الكروي الذي عشش في إفريقيا لعدة عقود، ينبغي أن يواجه بأسلحة ناجعة ومسؤولين جدد وقدرة على التحرك والتأثير القاري والدولي، وصلابة في الموقف دون خوف أو تردد، وإن اقتضى ذلك العودة إلى المقعد الفارغ في جميع الاستحقاقات الرياضية بالقارة السمراء، لنظهر للعالم المتعاطف بأننا على حق…
والآخرون هم الفاسدون.
فهل نستطيع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى