fbpx
بانوراما

“كرمة بوشريط”… جامع الفنا بدكالة

الجديدة… شذرات من تاريخ منسي 6

وشمت ذاكرة الجديدة بأسماء شخصيات ساهمت، من زوايا مختلفة، في كتابة حقبة مهمة من تاريخ المدينة والإقليم، وكان لها الفضل في ترك آثار مادية تشهد لها بالمساهمة في صنع تحولات هامة على المشهد العام لعاصمة دكالة.
وكما ظلت تلك الشخصيات حية وباستمرار في وجدان الأهالي، استمر عشق أماكن عديدة بالمدينة يسكن قلوبهم، لأنها بحمولة تاريخية وبرمزية كبيرة حتى وإن نالت منها عوادي الزمن، فإنه حق فيها قول الشاعر: “تلك آثارنا تدل علينا… فانظروا بعدنا إلى الآثار”.

مكان تاريخي لـ الحلايقية وشهود الزور وبائعي الدماء وسوق للجراد

“كرمة بوشريط”، التي يربو عمرها عن 100 سنة، باتت أقدم فضاء متعدد الخدمات بالجديدة، بل ودكالة ككل، فهي جزء من الذاكرة الموشومة للمدينة، بالنظر إلى ما أدته من وظائف ولا تزال.
حسب الرواية الشفوية للكثير من الجديديين الطاعنين في السن، فإن الشجرة، أو “الكرمة”، كما يحلو لهم تسميتها، غرست بعيد فرض الحماية الفرنسية سنة 1912.
في البدء، كانت “كرمة بوشريط” شجرة عادية، وبمرور الأيام، أضحت فضاء عموميا أجمعت الروايات على أن سوقا يوميا لبيع الجراد وشرائه كان يعقد تحتها، في أربعينات القرن الماضي، وهي مرحلة تؤرخ لهجوم جحافل الجراد على بلادنا.
وتضيف الروايات أن سكان المدينة كانوا يتسابقون على شراء الجراد، لأنه، بحسبهم، لذيذ وغني بالبروتينات والكالسيوم وغيرها من الفيتامينات. وتحت “الكرمة” أيضا، كان ينعقد سوق يومي لبيع خضر الضواحي و”السواني”، يلبي حاجيات سكان مدينة لم تكن بمثل هذا الحجم. وتوالت الأيام و”الكرمة” شامخة، كما هي الآن. ففي كل صباح، يلتقي تحتها عمال “الموقف” و”الحرايفية”، من صباغين ورصاصين وبنائين ومتخصصين في الوادي الحار وأمور أخرى، يعرضون خدماتهم على سكان المدينة.
وفي المساء، كانت الشجرة، قبل نحو 20 سنة، نموذجا مصغرا لجامع الفنا، إذ يشهد لها أنها احتضنت عمالقة الحلقة بدكالة، ومنهم الطاهر زعطوط وخليفة والغازي ونعينيعة والصاروخ وموات الحمير.
ومن نوادر “الكرمة”، أن أحد الحلايقية بدأ حلقته كالمعتاد، ذات رمضان، واضعا وسطها صندوقا خشبيا كبيرا، ينتظر أن يتحلق حوله الناس ليبدأ في جمع التبرعات، واعدا إياهم بأنه سيخرج “جنيا” من الصندوق الخشبي، وعندما اقترب أذان المغرب، جمع معداته، وضرب لهم موعدا بعد الإفطار تحت “الكرمة” طبعا ليخرج لهم الجن. وبعيد الإفطار مباشرة، تسلل أحد الشباب وتسلق “الكرمة” دون أن يفطن به أحد، وما هي إلا لحظات حتى وصل الحلايقي وتجمع الناس، وبعد أن جمع تبرعات جديدة ضرب ضربات قوية على الصندوق الخشبي العجيب، وصرخ بأعلى صوته “وا الجن”، فأجابه الشاب المختفي بأغصان الشجرة “وا نعام”، فما كان من الحلايقي إلا أن أطلق ساقيه للريح وتبعه كل المتحلقين حوله لا يلوون على شيء من شدة الذعر. ومنذ ذلك الوقت، شاعت بين الناس أخبار بأن “الكرمة” مسكونة لا يمكن الاقتراب منها.
وكانت “الكرمة” التي توجد بمكان قريب من المقر السابق لمحكمة الاستئناف ومن مستشفى محمد الخامس، مكانا مفضلا لأشخاص، من جهابذة شهادة الزور بالمدينة، يتزعمهم شخص يدعى عبد السلام، يأتون إليها منذ الساعات الأولى من الصباح، وهم على أهبة الاستعداد لبيع شهاداتهم بمقابل مادي، لا يخافون في ذلك لومة لائم، فشهاداتهم أرسلت أبرياء إلى “حبس الصوار” بالحي البرتغالي، وطلقت أزواجا وهدمت أسرا وشردت أطفالا.
وتحت الشجرة ذاتها، يرابطون النهار كله، لتلقف أهالي مريض، يبيعونهم كميات الدم بمقابل في زمن كانت حملات التبرع بالدم نادرة.
وشهدت “كرمة بوشريط”، عبر تاريخها الطويل، مطاردات بوليسية متعددة سجلت لأمنيين من أمثال ولد علال ومامي وغيرهما ضد مدمنين على القمار، كانوا يمارسون نشاطهم المحظور تحتها. وباشتداد الحملات البوليسية، حل محلهم طاعنون في السن يلعبون “الضامة” فكانت أن خرجت هذه “الكرمة” أفواجا من “الضوايمية” المشهود لهم بالكفاءة والريادة.
عبد الله غيتومي (الجديدة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى