fbpx
بانوراما

بنكيران… “النكايتي”

ساسة على سكانير هند 6

“الصباح” تنشر حلقات  تفك شفرات الخطاب غير اللفظي لمسؤولين وصناع القرار

عاشت أجيال من المغاربة مع بعض السياسيين سنوات كانوا فيها، وما زالوا، حاضرين بقوة، رافضين الانزواء أو الخروج من دائرة الضوء. شخصيات نعرفها من خطاباتها وتصريحاتها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
في هذه السلسلة، نعرّف القارئ على مجموعة من هذه الشخصيات، من زاوية مختلفة هي زاوية معالجة الخطاب غير اللفظي وتحليل ما خلف الحركة، تقدمها هند كاسيمي، الخبيرة في “الكوتشينغ” الاحترافي الخاص بالسياسيين ورجال الأعمال وفي الخطاب غير اللفظي و”الميديا ترينينغ”.
إنجاز: نورا الفواري

تكمن قوة عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، في قدرته الفائقة على استعمال ثالوث العاطفة والدين والحكي، ما جعل منه خطيبا مفوها ورجل تواصل بامتياز، يمكنه إقناع الجمهور والتأثير عليه وإبلاغه الرسالة التي يود توجيهها له، وبالتالي الوصول إلى هدفه، دون عناء يذكر.
لا يجد زعيم “العدالة والتنمية” صعوبة في فرض سيطرته على المتلقي و”إغوائه”، من خلال اللعب على وتيرة العاطفة وحبل الدين. إنها إستراتيجية جيدة جدا بالنسبة إليه خطيبا وتقنيته المفضلة التي يعرف كيف يستعملها لصالحه وكيف يتحكم فيها بشكل جيد، سواء كان ذلك بهدف إقناع جمهوره، أو من أجل مهاجمة الخصم وإرباكه وزعزعته على جميع المستويات.
يبدع بنكيران ويتفنن في توظيف الحكايات والقصص والاستعارات، ويعرف جيدا كيف يستعملها في خطابه، من أجل تحقيق مراده. يلجأ أيضا إلى النكت. قد يحكي نكتة أمام الجمهور، ويضحك وحده عليها حين لا تحظى بالإعجاب. إنه لا يخشى أن يكون صادما، ويتحمل مسؤوليته كاملة في ذلك. عقله حاضر بقوة، ويعرف كيف يتحكم جيدا في زمام الأمور، بعيدا عن أي ارتباك. من الصفات المهمة التي يجب أن يتحلى بها الخطيب الناجح، التخلص من الشعور بالقلق، حتى حين لا تسير الأمور حسب التوجه الذي يريد.
لا يحب بنكيران أن يظهر متعاليا أو بعيدا عن عامة الناس، بل يحرص على أن يشبه أغلبية المغاربة البسطاء، سواء في أسلوب عيشه داخل بيته، أو في تعامله مع أفراد أسرته. إنه يستقبل الناس في منزله ويحدثهم بكل عفوية. وهذه وسيلة مؤثرة جدا وفعالة في إقناع الجمهور الذي يتبنى ويحتضن كل شيء يشبهه.
بنكيران متحكم جيد في حركاته. يستعمل سبابته كثيرا أثناء إلقاء خطابه أو كلمته، ليقول إنه موجود وإنه مسيطر. يتعلق الأمر ب”سبابة السلطة” التي تلعب دورا اجتماعيا هاما في ترسيخ شخصية الإنسان ومنحه هويته منذ الطفولة. ابتداء من الصفوف الأولى للمدرسة، يرفع الطفل سبابته ليقول “أنا”.
يجيد زعيم “البيجيدي” استعمال فترات الصمت ويعرف متى عليه أن يتوقف عن الكلام، لوهلة، يجلب خلالها انتباه مستمعيه، أو يؤكد فيها مسألة هامة في سياق حديثه. يعرف كيف يؤسس خطابه بشكل متقن، رغم أنه غالبا ما يكون متشنجا حين يتعلق الأمر بحوارات غير مهيأ لها. تشنج يظهر حين لا يكمل بعض عباراته. يعرف أيضا كيف يستعمل طبقات صوته، ويحافظ أثناء الكلام على إيقاع جيد، مع أن صوته يميل أحيانا، حين يحس بالحرج أو “الستريس”، إلى أن يكون حادا.

ظاهرة سياسية

يمتلك عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، أخطر أسلحة رجال السياسة، المتمثل في قدرته على تحريك الحشود، رغم أن مآل مساره أثبت خللا في حسابات المسافات المتوسطة والبعيدة، لكنه يظل، بامتياز، ظاهرة سياسية وآلة تواصلية وقوة خطابية يحسب لها ألف حساب.
يجمع خصوم بنكيران، كما أصدقاؤه، على وصفه بالمثير للجدل. تصريحاته وحواراته وخطاباته لا يمكن أن تمر مرور الكرام، ودائما ما تثير من ورائها زوابع وتفرق الجموع، بين مؤيدين ومعارضين. وحتى حين توارى عن الأنظار، وفضل الصمت من داخل خلوته في العمرة، بعد إعفائه من طرف الملك محمد السادس من تشكيل الحكومة، ذات “بلوكاج”، ظل مالئا الدنيا وشاغلا للناس.
تسلم بنكيران زمام الحكم في مرحلة منحته فرصة أكبر من تلك التي كانت لدى سابقيه. لقد  كان رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الديمقراطي والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير، لكنه رهن المغاربة في معاركه الخاصة مع “التماسيح” و”العفاريت”، وأغرقهم في بحر نكاته وقفشاته، وكانت “الفرجة” التي منحها لهم أكبر من إنجازاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى