fbpx
بانوراما

القرويين … أول مسجد بنته امرأة

جوامع فاس 4

اهتم القائمون على شؤون فاس العتيقة، كثيرا بالعلم والدين، في مختلف الحقب التاريخية. وبنوا المدارس والجوامع موازاة مع اهتمامهم بتحصين هذه المدينة عسكريا، حتى أنك نادرا ما تجد حيا بدون جامع شكل قبلة للتعليم والصلاة ودروس الوعظ والإرشاد. والحصيلة 780 مسجدا بتجهيزات وموارد مالية من مصادر الأحباس حتى من نساء، جلها بني في عهدي المرابطين والموحدين.

بعدما ضاق مسجدا الأشراف والأنوار أول مسجدين بفاس العتيقة، بمصليهما، أصبح ضروريا بناء مسجد أكثر اتساعا وتقام فيه الخطبة وصلاة الجمعة، ما تم في عهد الإمام يحيى بن محمد بن إدريس، على يد محسنة بنت في 859 ميلادية أول مسجد تبنيه امرأة في العالم. ولم تكن إلا أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري، التي بنت جامع القرويين في حارة أهلها بالعدوة الغربية.
ويعتبر هذا المسجد الذي شرع في بنائه في الأول من رمضان، من أوائل مساجد المغرب التي شيدت بمبادرة فردية نسائية ذكرتها كل المصادر. ولم تكتف بانيته بتكاليف ذلك، بل “أوقفت عليه بقعة أرضية يضمن ريعها الإنفاق على بئر المسجد دلوا وحبلا وعلى الحصير والمصباح” كما ذكر في كتاب “تاريخ مدينة فاس: من التأسيس إلى أواخر القرن العشرين”، وهو من تأليف جماعي.

“أسس جامع القرويين ليكون مسجدا للصلاة وجامعا للجمعة ورحابا لإعطاء الدروس الدينية في الوعظ والإرشاد وفضاء لإلقاء المحاضرات، فأصبح جامعة تحتكر التعليم العالي” يقول محمد السنوسي معنى في كتابه “نبضات من قلب فاس”، مشيرا إلى أن فاطمة بنت فقيه تونسي، “بقيت صائمة طيلة مدة بنائه شكرا لله”، مشيرا إلى أن مساحته في البداية، كانت 1600 متر مربع.

اشترت أم البنين الأرض من رجل من هوارة، وبنت الجامع بعد موافقة الأمير الإدريسي يحيى. ولم تختلف المصادر حول تاريخ بنائه الذي تثبته لوحة منقوشة عثر عليها أثناء ترميمه مدفونة تحت الجبس وعليها عبارة مؤكدة لتاريخ بنائه، ما زكاه الفرنسي أوسكار لانز في كتابه “سفر إلى المغرب”، بذكره صفيقة فضية مثبتة للبناء وتاريخه، حازها من طالب، معترفا بصعوبة قراءة ما نقش عليها.
يتوفر الجامع الذي وهبت بانيته كل ما ورثته لبنائه، على 17 بابا تلتقي في طرفي صحن يتوسطه، وفي كل جناح مكان للوضوء من المرمر، في تصميم مشابه لصحن الأسود بقصر الحمراء بالأندلس. ويحتوي نفائس كبيرة وثريات وتجهيزات بعضها يدخل ضمن إضافات من سهروا على توسعته وترميمه من أهل المدينة وحكامها خاصة الأمراء الزناتيين الذين أضافوا 3 آلاف متر مربع إليه.

وتحدث مؤلفو كتاب “تاريخ مدينة فاس”، عن زيادات مهمة شهدها الجامع في عهد أحمد بن أبي بكر الزناتي والي أمويي الأندلس على فاس، المشهود له بتشييد صومعته المربعة الواسعة الباقية إلى الآن، مشيرين للعناية التي أولاها للمسجد الوالي الأموي أبو مروان عبد المالك بن أبي عامر أثناء مقامه بفاس، إذ أحدث باب الحفاة في شمال الجامع ورتب على يمين الداخل إليه، بيلة للضوء.
حينئذ أضيفت سقايتا الشباك وسبيل داري وضوء جلب لهما الماء من واد خارج باب الجديد، و”عوض المنبر القديم بآخر صنع من عود الأبنوس والعناب، وشيد قبة العنزة وزين البلاط الأوسط لقاعة الصلاة بثريا كبيرة ظلت شاخصة إلى أن استبدلت في أيام الناصر الموحدي”، فيما ذكر السنوسي أن الزناتيين وضعوا على رأس الصومعة، الجامور المصنوع من سيف الإمام إدريس بن إدريس.

وأكد أن العامل أحمد الزناتي، من اقترح على أبناء إدريس المختصمين بمن له الحق في الاحتفاظ بسيف أبيهم، وضعه فوق الصومعة بعدما أضيفت إليه كرات من نحاس أصفر مذهب وهلال، قبل مدة من نصب أول ساعة مائية ووضع ساعات رملية وشمسية، فيما شهد العهد المرابطي التوسعة الثانية والثالثة للجامع وبناء الباب الرئيسي المسمى “الشماعين” الذي أحرقته نار شبت بالمنطقة، وأعيد بناؤه.
وفي هذا العهد أنجز منبر صنع من شجر الأبنوس وحليت جوانبه برسوم هندسية رائعة، واعتبر تحفة بالعالم الإسلامي، فيما زاد الموحدون 1500 متر مربع في مساحته وبنوا باب الجنائز ووضعوا أول خصة وبيلة بصحنه صنعها المهندس موسى بن الحسن بن أبي شامة. لكنهم تدخلوا في تغيير الأئمة والخطباء، إذ “كان لا يؤم ولا يخطب إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري” حسب علي بن أبي زرع.

أرقام

توالت التوسيعات والإضافات، إلى أن أصبح يضم 272 سارية ويستوعب الصف الواحد 212 مصليا ويضم 16 بلاطا بكل واحد 21 قوسا ويحضن 840 مصليا. أرقام وغيرها لا يمكن أن تتحقق إلا في هذا الجامع الحاضن لـ130 ثريا للإنارة وثريا كبيرة قطرها 2,25 مترا ويفوق وزنها 18 قنطارا وبها 520 مصباحا، فيما يسع حاليا لأكثر من 13440 مصليا كأكبر وأهم جامع من قلب تاريخ فاس العتيقة.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى