fbpx
بانوراما

الرسول الإنسان … “لقد أشرت بالرأي”

يحاجج عدد من الناس بأحاديث نبوية في قضايا معاصرة مرتبطة بشؤون دنيوية، ويعتبرونها تعاليم دينية يجب التقيد بها ولا يحق لمؤمن ومسلم مخالفتها، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى “وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى”.لكن هناك مجموعة من الأحداث تؤكد أن العصمة تهم ما أمر بتبليغه من وحي في شؤون العقيدة والشريعة، لكن اصطفاءه لتبليغ الرسالة لا يخرجه من طبيعة الإنسان، الذي يجتهد، فيصيب في بعض آرائه ويجانب الصواب في أخرى، كما توضحه مجموعة من الوقائع.

تعتبر غزوة بدر أول معركة بين المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبيلة قريش ومن حالفها من قبائل العرب بقيادة هشام المخزومي القرشي. وكان هذا النزال الذي وقع في 17 رمضان في العام الثاني للهجرة مفصليا في تاريخ الإسلام. ولا يخفى على جل المسلمين هذا الحدث التاريخي الذي تمكن فيه المسلمون وهم قلة من الفوز على المشركين الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة. ومثلت نقطة تحول في انتشار الإسلام  وكانت حدثا فاصلا بين الشرك والإسلام، لذا تسمى، أيضا، بالفرقان. وكتب الشيء الكثير عن هذه الغزوة وعن المعجزات التي حصلت فيها والدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث.

ومن بين المسائل التي دونها المؤرخون بشأن الغزوة وتعزز مواقف الذين يرون أن ليس كل ما يصدر عن الرسول وحي يوحى ولا يمكن مخالفته وأنه بشر يجتهد مثل باقي البشر ويمكن أن يصيب كما يمكن أن يجانب الصواب، مسألة اختيار الموقع الذي سيعسكر فيه جيش المسلمين.
وعندما كان رسول الله يقود المسلمين نحو موقع المعركة ارتأى أن ينزل بهم في مكان قريب من المعركة عند أدنى بئر من آبار بدر، فقام الحباب بن المنذر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم “بل هو الرأي والمكيدة”، فقال الحباب بن المنذر “يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثم نُغَوّرَ (أي ندفن) ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون”، فقال رسول الله عليه وسلم مشجعا ومثمنا “لقد أشرت بالرأي”.

وتتضمن هذه الحادثة درسين ومغزيين ثمينين، المغزى الأول أن القائد يجب أن ينصت لكل الآراء، خاصة من ذوي الخبرة والتجربة والحنكة في مجاله وألا يكون مستبدا برأيه وأن يمنح الفرصة لغيره ليدلي برأيه لضمان النجاح في مهمته، فها هو رسول الله صل الله عليه رغم جلال قدره وعلو مرتبته عند الله، فإن ذلك لم يمنعه من الاستماع إلى رأي غيره من أتباعه، خاصة في الأمور الدنيوية.
ويتعلق الدرس الثاني بعدم البخل بالنصيحة والمشورة للقائد ولولي الأمر وألا يتم إبطال العقل والخبرة إرضاء لرأي كائن من كان، فلم يتردد الحباب رضي الله عنه في إبداء رأيه، عندما رأى في اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لموقع المعسكر شيئا لم يستقم مع عقله وخبرته، ولم تمنعه مكانة رسول الله من أن يراجعه في الأمر، وأن يبدي رأيه التقني فيه، حتى وإن كان مخالفا لما ذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

> تؤكد هذه الواقعة، أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر له آراؤه الخاصة به باعتباره إنسانا، وليس رسولا، يمكن أن يصيب فيها أو يخطئ.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى