افتتاحية

النفق…

من حكومة لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في 2019، إلى حكومة تجهد نفسها للحفاظ بالكاد على الحد الأدنى من التماسك الداخلي بين مكونات الأغلبية، التي لم تعد تعرف بالضبط من يرأس الحكومة ويخطط لها ويوجهها: هل سعد الدين العثماني، الأمين العام للعدالة والتنمية المعين من قبل الملك؟ أم شخص آخر؟
هكذا يبدو المشهد، اليوم، في نظر كثير من المواطنين الذين يتابعون أطوار مسرحية هزلية مُعادة، تقوي قناعتهم بأن لا فائدة ترجى من “سلطة تنفيذية” لم تبرح منذ أشهر، منطقة “المطبات الكبرى” وتعجز عن تدبير خلافاتها الداخلية، والأحرى إنجاز الأوراش الكبرى ورفع تحديات النمو والتشغيل والتكوين ومحاربة البطالة وجلب الاستثمارات الداخلية والخارجية، وخلق التنمية.
والغريب، أن الحكومة نفسها وبعض الأحزاب المشكلة لها تواصل سياسة التهريج والضحك على الذقون، في ظل وضع اقتصادي أقرب إلى السيئ.
فلا أحد، اليوم، من الفاعلين السياسيين يتحدث عن خطورة الوضع الاقتصادي والمالي في بلد مازال يعتمد على كرم السماء لتحسين مؤشراته وأدائه ونموه، بعد أن تفرغ الجميع إلى القضايا الثانوية والنقاشات “الأكاديمية” التي تمتح من المرجعيات والهوية والصراع الإيديولوجي.
ففي قضية مثل التعليم ولغات التدريس، أو تدريس اللغات وتغليب لغة على لغات أخرى، قد يبدو الأمر ذا أهمية في الصراع السياسي بين أحزاب تبحث عن تموقعات على بعد سنتين من الانتخابات، لكن يعتبر بالنسبة إلى المواطنين مجرد “عبث” وكلام فارغ، لأن الأساسي اليوم ليس الصراع حول اللغات، بل إحداث انقلاب في منظومة تربوية برمتها لم تنتج، منذ عقود، غير البطالة والتخلف والهدر بكل أنواعه المالي والمدرسي والاجتماعي.
وطبيعي أن تضع “نقاشات” عقيمة مثل هذه، مسافات بين المواطنين والشأن السياسي العام وتقوي وضعية العزوف واللامبالاة، كما تزرع الخوف في قلوب الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين المتوجسين من واقع سياسي غير مستقر محكوم بخلفية انتخابية ضيقة، بلا أفق يغري بضخ رؤوس أموال جديدة في الدورة الاقتصادية.
إن الوضع العام لا يبشر بخير، ما يفرض تحركا عاجلا للإنقاذ، وقرارات ملموسة منطلقة من الواقع الحالي، وتعبئة وطنية لبعث الأمل والثقة ومواجهة نزعات التيئيس، التي يستغلها البعض للإبقاء على الوضع نفسه، من منطلق “الذي نعرفه خير ممن لا نعرفه”.
فلا توجد مصلحة أكبر من الوطن..
والمصلحة العليا تقتضي تسمية الأشياء بمسمياتها وقول الحقيقة للمواطنين، والتنبيه إلى وجود جهات سياسية تخطط لخلط الأوراق وزرع العبث والفوضى في المشهد السياسي، رغبة في استعادة أمجاد “الحزب الوحيد”، الذي ناضل المغاربة جميعا لقطع دابره بكثير من التضحيات.
الوطن للجميع، وذاكرة الشعوب أكبر من أن تمحى بجرة قلم، أو حركة “فهلوة”، لم يعد المغاربة قاصرين في إدراك خلفياتها…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق