حوادث

الأمانة العامة بين القانوني والسياسي

تقوم بدور هام وأساسي في إسناد السلطة التنظيمية وتنسيق العمل الحكومي (1/2)

بقلم: حميد نعيمي *

لاشك أن إخضاع نشاط الأمانة العامة للحكومة وهيكلتها وأدوارها للدراسة، يثير عدة تساؤلات على مستوى التمفصل، بين ما هو قانوني وما هو سياسي، فالمؤسسة تعتبر بمثابة المؤطر والمستشار القانوني للحكومة، في الوقت الذي يوجد على رأسها أمين عام للحكومة هو بمثابة وزير يتمتع بنفس
ما يتمتع به الوزراء من مزايا في إطار مجلس الحكومة أو مجلس الوزراء . كما يصنف الأمين العام للحكومة ضمن الوزراء التقنوقراط
بحكم عدم انتمائه حزبيا وطريقة اشتغاله وتخصصه وتجاربه والمهام المسندة إليه حكوميا.

غداة الاستقلال شهد المغرب صراعا كبيرا بين مكونات الحركة الوطنية حول طبيعة النظام السياسي لدولة الاستقلال. لذلك عملت الملكية في عهد محمد الخامس مابين 1955 و1960، من خلال خطاباته التي شكلت آلية من آليات التواصل بين الملك والأمة، على توطيد سمو سلطتها السياسية واستمرار مشروعيتها التاريخية بوضع استراتيجية لنظام سياسي مغربي، يتوفر على هيآت دستورية فعالة، ويشجع على المشاركة السياسية في ظل نظام ملكي دستوري وديمقراطي مبني على تجسيد الملك للسيادة الوطنية وفصل السلط، وحكومة مسؤولة أمام برلمان منتخب، لاغيا فكرة الجمعية التأسيسية التي تمسكت بها بعض فصائل الحركة الوطنية، معتمدا في برنامجه الدستوري على ركيزتين اثنتين :
1- الاعتماد على مبادئ الشريعة الإسلامية إلى جانب التراكم التاريخي والإداري للمملكة.
2- الاستفادة من التقنيات والتجارب الدستورية الغربية، سيما النموذج الفرنسي.
وبمناسبة تشكيل أول حكومة مغربية، صرح الملك محمد الخامس أنه ملك المغرب، له مهمة السهر على مصالح الأمة والحفاظ على سيادتها. وعلى أساس هذه المسؤوليات، قام بتعيين الحكومة التي سوف تبقى مسؤولة أمامه إلى حين انتخاب مجلس وطني، إلى جانب احتفاظه بالسلطة التشريعية، حيث أقر أن ممارستها ستتم وفق الأجهزة التي ينوي خلقها.
بناء على ذلك، فالخطابات السياسية آنذاك، كانت تتمحور حول رهان خلق الأجهزة الدستورية الكفيلة بتسيير دواليب الحكم. وفي هذا الإطار جاء إحداث هذا المكون الحكومي تحت مسميات مختلفة بمقتضى ظهير 10 دجنبر 1955، الذي سيتم تتميمه بمقتضى ظهير 4 دجنبر 1961، لينتقل بموجب المرسوم الملكي 856.66 لـ 24 أكتوبر 1966 إلى مستوى أعلى، إذ سيصبح الأمين العام للحكومة بمثابة وزير مستقل. أما في المرحلة الراهنة، التي نعيشها، فيعتبر حجر الزاوية في ممارسة السلطة التنظيمية بالمغرب، إن لم نقل في النظام السياسي المغربي برمته.
من المسلم به أن خلق المؤسسات في الغالب، يكون نتيجة حتمية للمتغيرات، سواء أكانت محلية أو كونية، فانتقال الدولة من الطابع الدركي، عند نهاية الحرب العالمية الأولى، إلى طابع المتدخل الرئيسي في مثلث المجالات الحياتية: السياسة – الاقتصاد – الاجتماع، كان بمثابة الدافع والفاعل المركزي في بروز أجهزة تؤطر التعقيدات التي صارت تعرفها الآلية التنفيذية بهدف الرفع من مستوى الفاعلية، فبفرنسا مثلا ظهرت مؤسسة الأمانة العامة للحكومة سنة 1917 في زمن كان التفكير ساريا للبحث عن جهاز يكون مساعدا مباشرا لرئيس المجلس للقيام بالاختصاصات الإدارية، فتم في بادئ الأمر خلق كتابة إدارية لتتخذ في غضون 1934 صفة الكتابة العامة التي تعنى بصياغة تقارير يومية بمعية كل الأجهزة السياسية، الإدارية والتشريعية، فهي إذن تحولت إلى بؤرة التقاء بين ما هو سياسي وما هو إداري، دون طمس لدورها الفعال هيأة مساعدة للوزير الأول ولرئيس الجمهورية في إنجاز القرارات المزمع اتخاذها.
يستخلص إذن أن المسعى من إحداث الأمانة العامة للحكومة هو توحيد العمل التنفيذي، من هنا كان ميلاد مؤسسة الأمانة العامة للحكومة، نظرا للخصوصيات التي أوضحها بصورة دقيقة رجل القانون الإنجليزي J.M.LEE في CABINET OFFICE مكتب الديوان) معتبرا إياه الإطار القادر على معالجة الاختلافات القائمة بين جل المستويات، فهو بمثابة مصدر ومكمن الانضباط المتوخى تعميمه على مختلف القطاعات الحكومية.
رغم هذه الأهمية، فإن رجال الدستور والإدارة لا يولون لهذه المؤسسة الحيوية الاهتمام الذي تستحقه دراسة وتحليلا وفهما. فوق هذا، فإن القيمين عليها من المسؤولين والأمناء العامين لم يبذلوا جهدا كافيا لإبراز قيمتها وأهمية وظيفتهم وكيفية اشتغالها، إذ تاريخها لا يعرف كثيرا، ولم يتم التطرق إليها إلا نادرا وبإيجاز في بعض التقارير ضمن المؤلفات المتعلقة بالتنظيم الحكومي.
إن الأمانة العامة للحكومة، على هدا الأساس، تقوم بدور هام وأساسي في إسناد السلطة التنظيمية وتنسيق العمل الحكومي، فهي تعد ملتقى مؤسسات الدولة، وتحتل مكانة محورية بين حدود السياسي والإداري وبين حدود التشريعي والتنظيمي.
لعل خلو المجال الأكاديمي المغربي من كتابات حول “الأمانة العامة للحكومة” قد كان من أهم الحوافز التي دفعت إلى التفكير في تناول مثل هذا الموضوع، ومحاولة رصد النظام السياسي المغربي من خلال منظور يشدد على مظاهر حركيته، بدل الاكتفاء فقط بالاهتمام بالمظاهر(الإستاتيكية) فيه الشيء التي تحفل به أغلب الكتابات، التي لا تهتم إلا ببعض النواحي القانونية أو الدستورية في النظام السياسي المغربي.
غير أن صعوبات تحديد أي ظاهرة قرارية تعتبر معروفة بشكل عام، إذ أنه منذ قدر للعالم “سنيدر” أن يفتح هذا الباب ورغم جهود “لاسويل” ومن بعده الكثير من المتخصصين في علم السياسة وبصفة خاصة “لوفيل”، فإن هذا الميدان ما يزال يمثل حقلا من “الألغام” بحيث يتعين على الباحث أن يسير فيه دائما بحذر شديد، ويزداد الأمر تعقيدا، إذا كانت ” الأمانة العامة للحكومة ” ستدرس في نظام سياسي له إرثه التاريخي وأصالته التنظيمية وخصوصيته السياسية، مثل النظام السياسي المغربي، إذ ستبرز آنذاك صعوبتان: صعوبة نفسية وأخرى مادية.
فبالنسبة إلى الصعوبة النفسية، فإنها ترتبط أساسا بحساسية الموضوع المدروس من جهة، ومن ناحية أخرى الاستسلام لحقيقة وواقع الأمانة العامة للحكومة باعتبارها صمام أمان للنظام السياسي المغربي.
أما الصعوبة المادية، الثانية فتتجلى في عدم توفر معطيات “ملموسة” في هذا المجال، وذلك راجع بالأساس لصعوبة التعرف على المؤسسات السياسية المغربية من “الداخل”، نظرا لأن لا أحد من الذين اشتغلوا في الأمانة العامة للحكومة، أقدم على نشر مذكراته أو الحديث عن تجربته السياسية داخل هذه المؤسسة.
بغض النظر عن القيمة التي تتميز بها مؤسسة الأمين العام للحكومة، فإن فقهاء القانون الدستوري والقانون الإداري لم يحيطوا الموضوع بما يفرضه مركزه من اهتمام مستحق، بل الأدهى من ذلك أن من أنيطت بهم مهام تدبير، ورئاسة الأمانة لم يبذلوا أي جهد لإماطة الستار عن كنهها من جهة الأدوار والوظائف، إلى درجة اعتبار الموضوع، يندرج بشكل غير معلن ضمن العمل السري.
* باحث متخصص في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق