ملف الصباح

“من الخيمة خرج مايل”

الحقيقة تضيع بين الأخطاء التقنية والتباين في تدبير الملفات

لم تحقق محاكمة ناهبي المال العام، على مدار السنين الماضية، الردع المطلوب، الذي كان المجتمع ينتظره من وراء فتحها خاصة خلال حملة التطهير الأولى أو حتى الثانية، وأضحت في أغلبها محاكمات صورية بالنظر إلى طريقة معالجتها قضائيا.
الإشكالات الحقيقية التي تتخبط فيها تلك الملفات القضائية، تظهر بالنظر إلى الطبيعة التقنية لأغلبها، والخبرات المحاسبية التي تتطلبها سواء في مناقشة الملف أو حتى في شأن تحديد حجم الأموال المبددة أو المختلسة والتي في غالب الأحوال لا يتم استرجاعها، وتبقى تلك الأوامر القضائية حبرا على ورق، إضافة إلى نقص التكوين في شأن تلك الملفات، فتكون كالمثل القائل  “من الخيمة خرج مايل”، سواء من خلال التقارير التي تبنى عليها المتابعة، أو من خلال الوثائق التي يتم الاستناد إليها.

الضمان الاجتماعي… الدولة زاهدة

بعد 13 سنة من المحاكمة في ملف الضمان الاجتماعي، صدر  الحكم في ملف الضمان الاجتماعي الذي توبع فيه 21 متهما، توزع بين البراءة والحبس الموقوف لأربع سنوات، والنافذ في حق الذين يتابعون غيابيا. وأسقطت الدعوى العمومية في حق عبد المالك التراب ومحمد دويرة. وحصل على البراءة في الملف 10 متابعين من أصل 28 متهما.
ملف الصندوق  الوطني للضمان الاجتماعي، انتهى بأحكام مخففة للمتهمين المتابعين فيه، الشيء الذي يفيد  أنه يحمل طابعا سياسيا أكثر منه اجتماعيا، خاصة أن الدولة المغربية لم تنتصب فيه طرفا مدنيا، ما يفيد أنها زاهدة في الأموال التي بددت والتي كشف عنها تقرير لجنة تقصي الحقائق، الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة حول الغاية من نبش مثل هذه الملفات إذا لم تبادر الدولة إلى استرجاع الأموال المنهوبة.
ملف «السنسس» شهد عقد أكثر من مائة جلسة منذ 30 أبريل 2007، تاريخ إحالته على المحكمة، إذ يشكل استثناء فهو الوحيد الذي قضى ما يقارب عشر سنوات ما بين لجنة تقصي الحقائق وقاضي التحقيق، وأسفر عن متابعة 28 متهما، أضحوا بعد ذلك 25 بعدما قررت غرفة الجنايات باستئنافية البيضاء، الاستجابة إلى ملتمس النيابة العامة بفصل ملف ثلاثة متهمين موضوع قرار إلقاء القبض من قبل قاضي التحقيق، والذي ضاعت فيه الحقيقة بشأن الاتهامات الموجهة إلى المتهمين إما بسبب المرض، أو الوفاة، أو الفرار.
كريان سنطرال…الموت وإلزهايمر

ملف كاريان سنطرال ولد من رحم ملف «السليماني ومن معه»، بناء على تصريحات أدلى بها المتهم حيروف، الرئيس الأسبق لجماعة عين السبع، خلال الاستماع إليه من قبل قاضي التحقيق، وأكد أن مشروع الحسن الثاني شابته خروقات عديدة، أمر الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بفتح تحقيق فيه للتأكد من صحة التصريحات، التي تحولت، بعد استكمال التحقيقات، إلى اتهامات ضد أفيلال وحيروف، وتوبع في الملف 21  متهما، بتهم المساهمة في تبديد أموال عمومية، والمشاركة في استغلال النفوذ، كل حسب المنسوب إليه في غياب الفاعل الرئيسي، على اعتبار أن قرار الإحالة في الملف لم يشر إلى المتهم الرئيسي في عمليات تبديد أموال عمومية. ولم تسلك القضية الطريق الصحيح بسبب كثرة التأجيلات، وعدم وجود متهم رئيسي في قرار المتابعة الذي يعتبر المتهمين مساهمين في تبديد أموال عمومية، إضافة إلى طول المدة التي ساهمت في ضياع خيوط الملف وبعثرة أوراقه، قبل أن تقرر هيأة المحكمة فصل ملف أفيلال عن باقي المتهمين، بعد غياباته المتكررة، واضطرت هيأة المحكمة إلى تطبيق المسطرة الغيابية في حقه بعد سلسلة غيابات متواصلة، إلا أنها تراجعت عن القرار بعد حضوره مرة أخرى. لتصدر في الأخير أحكامها في الشق الأول من الملف دون الثاني.
عليوة والإبراهيمي وبنعلو  …

تثار مسألة ضمانات المحاكمة العادلة في العديد من الملفات باختلاف أنواعها والمتابعين فيها، خاصة ملفات تبديد المال العام، على اعتبار أن الغاية من المحاكمة في الأول والأخير هي تحقيق العدالة بمفهومها الشامل، إلا أن الملاحظ أن تلك الملفات يتم التعامل معها بنوع من الحذر الشديد، الذي يسيء الفهم للمحاكمة العادلة. ويكون أول قرار يتخذ من قبل النيابة العامة أو قاضي التحقيق هو الاعتقال الاحتياطي للمتابعين، في انتظار ما ستسفر عنه المحاكمة أو مجريات التحقيق، ولا يتم اعتماد  التدابير البديلة للاعتقال، إلا نادرا، لكن الغريب في تلك الملفات أنه بعد مدة معينة يتم منح السراح.
في ملف توفيق الابراهيمي الذي أدين بخمس سنوات سجنا، رفض منحه السراح خلال مراحل التحقيق، بالنظر إلى التهم التي كان يواجه بها، وخلال المحاكمة وبعد عدة جلسات استجابت الهيأة إلى طلب السراح المؤقت، وغادر توفيق الإبراهيمي، المدير العام السابق لشركة «كوماناف» وميناء طنجة المتوسطي، ورفاقه المتابعون في ملف كوماناف السجن، بعد أن قررت هيأة المحكمة بغرفة الجنايات باستئنافية الرباط منحهم السراح المؤقت استجابة لطلب دفاعهم. واستكملت المحاكمة وتمت الإدانة وما زال الإبراهيمي خارج أسوار السجن.
أما خالد عليوة المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، فقد استمر اعتقاله حوالي تسعة أشهر، كان في كل مرة يرفض طلب سراحه من قبل قاضي التحقيق وتؤيده الغرفة الجنحية، إلى أن ارتأت الغرفة أخيرا، تمتيعه بالسراح المؤقت، بعد أن رفضه قاضي التحقيق، والغريب هو التعليل الذي أرفقت به قرارها بأن عليوة يتوفر على عائلة وسكن قار، وهي الضمانات التي اعتبرها كافية لمنحه السراح، وكأن تلك الضمانات لم تكن موجودة من قبل.
الملف الثالث يخص عبد الحنين بنعلو ومن معه من المتابعين في ملف المطارات الذي قضى أزيد من سنة داخل السجن وبعد إحالة الملف على غرفة الجنايات باستئنافية البيضاء لم يستفد من السراح المؤقت رغم أنه يتوفر على الضمانات القانونية التي مكنت سابقيه من الاستفادة من السراح المؤقت.
كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق