ملف الصباح

فين فلوس الشعب؟

محاكمات  شبه صورية تكتفي بعقوبات سالبة للحرية يعود بعدها اللصوص إلى استثمار المال العام

على قلتها، تحولت محاكمات ناهبي المال العام، ومقدرات وميزانيات وصفقات المؤسسات العمومية وشبه العمومية إلى مسرحية مملة، تبدأ بضجة كبيرة وحملات اعتقالات وإيداع تحت الحراسة النظرية، ثم استنطاقات وجلسات لتعميق البحث ومرافعات ومداولات وتنتهي بإصدار أحكام بالسجن (في أحسن الأحوال)، دون أن يطرح نصف سؤال: أين المال المسروق؟
لذلك، يعرف عدد من المسؤولين والمسيرين أن أقصى ما ستفعله أجهزة المراقبة المالية ومؤسسة القضاء إصدار حكم بالسجن لسنوات، تشكل بالنسبة إليهم، فترة نقاهة واسترخاء للتفكير في نوعية المشاريع التي سيستثمرون فيها “فلوس الشعب” بعد مغادرتهم الزنزانة.
فعلى امتداد تاريخ محاكمة الفساد المالي، (الذي انطلق بمقاربة جديدة في عهد محمد السادس بعيدا عن حملات التطهير) لم يحدث أن انتبهت سلطات الاتهام وإصدار الأحكام إلى أن مصدر هذه القضايا الجنائية وجوهرها هو المال العام، ثم الإنهاك الذي يلحق ميزانيات المؤسسات العمومية وشبه العمومية والصناديق والعقارات والرساميل والممتلكات العينية جراء عمليات النهب والاختلاس، لذلك جاءت جميع المحاكمات أقرب إلى “الصورية” تقتصر على سلب الحرية للمعنيين لسنوات معدودة، يعودون بعدها إلى الحياة أكثر غنى ونفوذا وسطوة من الفترة السابقة.
وخلال هذه الفترات، ظل المدافعون عن المال العام يطالبون باسترجاع الأموال المنهوبة التي على أساسها حركت المتابعات، وإعادة استثمارها وتوظيفها في قطاعات التنمية، إذ لا معنى من محاربة الفساد وإحداث ضجة كبيرة في وسائل الإعلام وتهييج الرأي العام الوطني، في وقت يستطيع المجرمون تهريب الأموال المسروقة للاسفادة منها بعد استكمال فترة العقوبة، أو تسجيلها في أسماء أبنائهم وزوجاتهم حتى تكون في منأى عن المساءلة.
ولم تعد خافية الخسائر المالية الكبرى التي تتكبدها الدولة جراء التسامح في استرجاع الأموال المنهوبة، إذ كشفت تقارير عن ضياع ما يناهز 2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنويا، في قضايا فساد ونهب مال عام، ما يعني مبالغ تصل إلى 2000 مليار سنتيم (20 مليار درهم)، لا تتم استعادتها عبر محاكمة المتورطين، إذ تجد طريقها إلى التهريب نحو الخارج، أو التبييض في مشاريع واستثمارات باستغلال هويات أقارب ومعارف.
ي. س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق