ملف الصباح

المسكـاوي: الفـسـاد مكـلف

المغاربة يستغربون لعدم تنفيذ أحكام ضد أشخاص مدانين بالفساد

قال محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، إن القوانين الجنائية لا تنص على استرجاع الأموال المنهوبة لأنه لا تتم ملاحقة انتقالها إلى فروع وأصول المسؤول المختلس،
كما لا يتم تنفيذ الأحكام الصادرة في حق الأشخاص الذين أدينوا في ملفات فساد، فيما يبرأ آخرون، أما الحكومة فهي تهلل لتحسين ترتيبها على مستوى إدراك الرشوة، بفضل إصدار قوانين دون نتيجة.

< هل تعتبرالقوانين الجنائية بالمغرب والخطوط الهاتفية للتبليغ عن المبتزين والمرتشين كافية لمحاربة الفساد؟
< يتوفر المغرب على ترسانة لا بأس بها من القوانين المؤطرة لمجال مكافحة الفساد، بالإضافة إلى بعض المبادرات كالخط الأخضر وإنشاء مؤسسات للحكامة وغيرها، لكن ملاحظتنا الأساسية داخل الشبكة في هذا المجال هو غياب تفعيل ما هو منصوص عليه وموجود، الأمر الذي يلاحظ في أغلب الملفات المهمة وعلى رأسها الملفات الجامدة بالمحاكم منذ حكومة التناوب، ينضاف إلى ذلك الطابع البطيء والموسمي للتفاعل مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات وهو ما يدفعنا إلى التأكيد دائما على غياب الإرادة السياسية والحقيقية في مكافحة الفساد، وسأعطي مثالا هنا بدولة روندا الإفريقية التي عانت  حربا أهلية طاحنة وتخلف على جميع المستويات، استطاع رئيسها وفريقه الحكومي  بعزم وتصميم نقلها إلى مصاف الدول الصاعدة بقوة في معدلات النمو الاقتصادي والتعليمي، وأصبحت عاصمتها تضاهي العواصم الأوربية في النظافة والجمال خلال سنوات فقط من العمل، حيث كان مفتاح الحل هو الاتفاق والعمل على استئصال الفساد من جذوره.

< يطالب المواطنون باسترجاع الأموال المنهوبة لماذا ترفض الحكومة التنصيص على ذلك صراحة في القوانين؟
< استرجاع الأموال المنهوبة وإعادتها إلى خزينة الدولة وتوظيفها في التنمية من أهم مطالب الشبكة منذ إنشائها في 2002 انطلاقا من مواد الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، التي دفعت إلى المصادقة على مجموعة من الإصلاحات القانونية في هذا المجال وخاصة القوانين الجنائية، لكن لدينا ضعف وثغرات في تنفيذها، خاصة وأن أساليب النهب والارتشاء تتطور مع تطور القوانين نفسها، إذ لا يعقل أن يحتفظ الناهبون والمرتشون بالأموال والمنقولات والعقارات  المتأتية من جرائم الفساد في حساباتهم البنكية الشخصية أو بأسمائهم، بل يتم تسجيل الممتلكات والأموال في أسماء أبنائهم البالغين أو الأقارب من الأصول، ولهذا الغرض طالبنا بإعادة النظر في القوانين المتعلقة بالتصريح بالممتلكات التي أثبتت عدم جدواها، في ظل استمرار الثغرات القائمة، وهو ما يحول تلك التصاريح إلى مجرد وثائق الأرشيف.

< كم يضيع المغرب من أموال جراء انتشار ظاهرة الفساد وتطبيع المواطنين معها؟
< كلفة الفساد تبقى الفاتورة الأثقل في مجال الجرائم بالنظر لتأثيرها على المجتمع ككل وعلى أجياله المقبلة. وحسب بعض التقارير الدولية ومنها تقرير “ترانسبارنسي” الدولية فإن المغرب يخسر سنويا 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام وهو ما يعني غياب فرص التنمية والتشغيل وضعف الخدمات الاجتماعية. يعود هذا الرقم الخطير إلى غياب الشفافية في إبرام الصفقات العمومية.
وللتدليل على خطورة الفساد وانعكاسه على التنمية الاقتصادية والاجتماعية فقد سبق للشبكة أن قدمت دراسة أثناء تنظيم المحاكمة الرمزية الشهيرة لناهبي المال العام في 2006 من خلال ترجمة المبلغ الإجمالي للاختلاس والتبذير من صندوق الضمان الاجتماعي والمتمثل في 115  مليار درهم الذي كشفت عنه لجنة التحقيق البرلمانية في حكومة اليوسفي، وهو مبلغ يمثل لوحده 14 مرة الاحتياطي المغربي من العملة ل2001 و34 في المائة من الناتج الداخلي الخام للسنة نفسها.
وحسب الدراسة التي أنجزتها الشبكة بواسطة مختصين فإن المبلغ المذكور سيكفي لوحده  لتوفير 2 مليون منصب شغل ،أو بناء 22  ألفا و400  مدرسة نموذجية، أو بناء مليون و67  ألف وحدة سكنية اقتصادية  أو حوالي 25  ألف مستشفى متوسط.
فإذا كان هذا المبلغ لوحده قادر على توفير كل تلك الخدمات فكيف سيكون واقع المغرب لو تم الحد من انتشار الفساد وبيئته الحاضنة في كافة المؤسسات، وكيف سيكون واقع المواطنين؟

< يحاكم سنويا العشرات من الموظفين والمنتخبين وبعض السياسيين هل هذا كاف لردع الفساد ومحاربة المفسدين؟
< يجب التوضيح أولا أن تحريك بعض الملفات بالنظر إلى حجم الفساد وكلفته يبقى رقما بسيطا جدا دون نسيان التقارير الرسمية للمجلس الأعلى للحسابات، التي يمكن أن تكون بعضها محط متابعات قضائية، في ظل غياب تفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب على قاعدة المحاكمة العادلة وليست الموسمية وربط المسؤولية بالمحاسبة،  وحتى وإن حوكم البعض فإننا نستغرب لإعادة محاكمة بعض الأشخاص وحصولهم على أحكام البراءة في قضايا الفساد، وعدم تنفيذ أحكام الإدانة في حق البعض الآخر. في نهاية هذه السلسة من الاستغراب نعود للفكرة الأساسية، وهي غياب الإرادة الحقيقية في محاربة الفساد ومشاركة المواطنين في هذا الورش المهم والمفصلي.

تفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب

< هل سيساهم تحسن مؤشر إدراك محاربة الفساد بالمغرب في تقليصه بنسبة كبيرة؟
< كان المغرب ولا يزال في أواخر اللوائح الخاصة بمؤشر إدراك الفساد العالمي الذي تصدره الشفافية الدولية، أما التحسن الطفيف في المؤشر في 2018 فيعود بالأساس إلى اعتماد بعض القوانين ذات الصلة ومنها الحق في الوصول  إلى المعلومة الذي مكن المغرب من الانخراط بمبادرة الحكومة المنفتحة وكذا تعيين اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد كآلية للإشراف على تنزيل الإستراتيجية الوطنية للغرض نفسه، والانفتاح على المجتمع المدني في بعض الإجراءات والتدابير، إذ حصل المغرب على الرتبة 73 بدل الرتبة 81 في 2017، لكن النقطة استقرت في 43 على 100 أي دون المتوسط، ورغم ذلك نؤكد في الشبكة مجددا أن التقليص من الفساد ينطلق عبر تحريك الملفات السابقة، ووضع مخطط تشريعي يتلاءم والاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وإنشاء قضاء متخصص في الجرائم المالية، وتفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب وهي المؤشرات التي نحتاجها للتغلب على مؤشرات الفقر والبطالة وضعف الخدمات.

في سطور
– مزداد في 1978 بسلا
–  أب لطفلين
– عضوالشبكة العربية للنزاهة والوقاية ومكافحة الفساد
– فاعل حقوقي مساهم في تنشيط منتديات مغربية ودولية
– رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام
– حاصل على الإجازة في الحقوق

أجرى الحوار: أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق