fbpx
ربورتاج

“سـيـدة” الـجـنـائـز بأكـاديـر

نعيمة زكَناي: أفخر بأني أمارس مهنتي في وسط ذكوري لا يؤمن بعمل المرأة وأتعرض لعراقيل وصعوبات

أثبت تاريخ المرأة المغربية كفاءات الأنثى وقدراتها الخارقة في مختلف مجالات العمل، وتألقت إلى جانب الذكور، باقتحامها أعمالا استثنائية، ظلت حكرا على الرجال. وداهمت بالجرأة المفقودة، وظائف يتعفّف عنها الذكور ويتهربون من ممارستها. ففي سابقة بالمغرب، اقتحمت للا نعيمة زكَناي بأكادير، مهنة ليست غريبة عن النساء فقط، بل حتى الذكور،
إذ نادرا ما يحترفها الرجال، لتتخصص في نقل الأموات.

انخرطت “المسترْجلة” التي تبلغ 75 سنة من العمر، منذ بداية تنظيم قطاع نقل أموات المسلمين، قبل حوالي تسع سنوات، بإطلاق دفتر التحملات، في الاستجابة لكل المواصفات والشروط المطلوبة.
وتحصل دائما على صفقة التدبير المفوض لمرفق نقل أموات المسلمين بسهولة، لما اكتسبته من خبرة وتوفّرها على أسطول من السيارات مخصص لهذا الغرض، وتشغيلها للكفاءات من السائقين والمعاونين.  أفتخر، تقول المرأة الحديدية، لأني أخوض المنافسة مع شركات كبرى، لجأت إلى جذب سائقي”المدرسة العتيقة”لتنصيبهم مسيرين بتلك الشركات، لما اكتسبوه من خبرة معي.

“المسترْجلة”…حياة مع الجثث

اختارت بجرأتها، عن حبّ وقناعة أن تقضي أغلب حياتها مع الجثامين، منها المتقطعة والنتنة والضاربة في التحلل. هدّمت نعيمة جدران العفة وكسّرت بعزيمتها، أسوار الأعراف والتقاليد التي شيدتها المجتمعات الذكورية حول الأنثى منذ الأزل، وغامرت بهوية أنوثتها لتغطس في عُباب رائحة الموت، لتتكفل بنقل الأموات إلى المقابر، متحدية نظرة المجتمع إليها. بكل ثقة في النفس، تمارس نعيمة عملها، رغم النظرات الدونية للكثيرين إليها، إذ تشاهدها في الليل والنهار، ترتدي وزرتها البيضاء، وهي تقف شامخة بجوار سياراتها، أمام مستودعات الأموات ومداخل المصحات وأبواب البلديات وبمواقع حوادث السير المميتة، تنجز إجراءات نقل الأموات في اتجاهات مختلفة. تصفها مصالح الأمن والدرك والمستشفيات بالمرأة الحديدية لشخصيتها القوية، فيما يسميها البعض بالمرأة المسْترْجلة، لما تتمتع به للا نعيمة من قوة وصلابة استثنائية يفقدها حتى الذكور، أمام المواقف الصعبة والمعقدة التي تتطلبها من حزم وقوة القيادة.

في قلب الحدث

رغم ما تتعرض له للا نعيمة مالكة ما تسميه “المدرسة العتيقة لتعليم نقل الجثث”، مثل باقي النسوة، من تمييز واضطهاد وتهميش وإقصاء متعمد، بأماكن عملهن، لأسباب لا يعلمها إلا منفذو هذه السلوكات المنبوذة، حرصت على مدى ثلاثين عاما أن تتحدى وتقاوم تلك النظرات الدونية للمجتمع إليها، إذ نجحت في وظيفتها، بتحسين أدائها مهنيا وقانونيا وأخلاقيا. ولعل هذا النجاح، هو الذي جعل جميع المصالح ذات العلاقة بالأموات، كالشرطة والدرك والوقاية المدنية ومسؤولي مستودعات الأموات والمصحات وغيرها، تعتمد عليها في حالة الطوارئ.

“إن مهنيتي وسمعتي التي اكتسبتها بعزيمة وصبر، وحبّي للمهنة هي التي جعلتني أحظى بثقة جميع المصالح”، تقول للا نعيمة التي أضافت “سأظل مكافحة بضميري المهني، أتساهل في الأثمنة وأستجيب لكل مطالب الزبناء الفقراء والمعوزين والمحتاجين، حتى وإن كنت أوجّه أحيانا، عن قصد، لالتقاط الأموات من كل مكان. فأنا التي تجدني واقفة في حوادث السير، وبمواقع الجثث المتحللة الناتجة عن الجرائم أو الانتحارات، وكذا جثث الموتى من المتسولين، وإلى نقل الغرقى في البحر والوديان والحفر والآبار”.

إنجاز: محمد إبراهمي (أكادير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق