fbpx
خاص

المعاهد السياحية … نحو الهاوية

تقارير ورسائل إلى ساجد تتحدث عن فوضى وهدر للمال العام

“تتجه بعض المعاهد السياحية، منذ عهد الوزير السابق لحسن حداد، إلى الهاوية، بعد أن فشلت الوزارة في كل إجراءات لإصلاحها، إذ تعددت التقارير والرسائل التي تدق ناقوس الخطر، دون نتيجة”، هكذا لخصت مصادر “الصباح” الوضعية الحالية لمراكز يفترض أنها أوكسجين “رؤية 2020″، للتنمية السياحية.

إنجاز: خالد العطاوي

تجمع تقارير رسمية ومهنيون وتلاميذ بهذه المعاهد وأولياء أمورهم، على الفشل في إصلاح معاهد السياحة، ما فتح الباب أمام اختلالات، سواء في التدبير أو في التكوين نفسه، حتى أن التشخيص الذي قدم خلاصاته محمد ساجد، وزير السياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية، خلال مجلس الحكومة فتح باب الأمل، لكن عجلة الإصلاح توقفت، والنتيجة أن آخر الأرقام تشير إلى أن المغرب فقد 10 رتب في تصنيف المنظمة العالمية للسياحة، وانتقل من الرتبة 24 إلى 34، وهي إخفاقات أرجعها ساجد نفسه إلى التنفيذ غير الملائم لإستراتيجية تنمية القطاع، مشيرا إلى نظام الحكامة المعتمد بالقطاع، غير ملائم لطموحات وأهداف رؤية 2020، وضعف الاستثمارات وغياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، يقلل من فعالية الجهود المبذولة.

محنة التلاميذ

أصبح التعليم بالمعاهد السياحية، الذي يفترض أنه يشكل نموذجا لقطاعات أخرى، محنة للتلاميذ، ف”المطعم المدرسي يقدم وجبات غذائية تفتقر للجودة، ولا تتوفر على مقومات التوازن الغذائي، فضلا عن أنها تطهى في ظروف غير سليمة بمعدات متآكلة، علما أن مكان الطبخ يفتقد لمعايير السلامة، فكيف يعقل أن يعين مسؤول عن الأمن الخاص على رأس طاقم المطبخ، ووصف بعضهم لاحتجاجات التلاميذ بأنهم “أبناء الفقراء والمتسولين”.

في المعهد نفسه، الذي سبق أن كان موضوع تقرير مفصل للوزارة، يجد التلميذ قاعات الدرس لا تضمن أبسط شروط  التحصيل العلمي، فجدرانها متآكلة والسبورات غير صالحة، وانعدام المصابيح الكهربائية الكافية، والأقسام لا تتوفر على الوسائل الديداكتيكية اللازمة، والفصول تعرف اكتظاظا ملحوظا، ووصل عدد المتدربين في القسم الواحد 38 فردا بالنسبة إلى المستوى الثاني، ما يعيق تلقي الدروس واستيعابها   و ينشر الفوضى. أما في مجال الترفيه فلا يوجد أدنى شرط لممارسة أنشطة موازية، فقط هناك مساحات فارغة أصبحت ملجأ لكثير من الزواحف.

إنها ظروف تعيق الحلقة الأهم في رؤية 2020 السياحية، فالعنصر البشري المؤهل أصبح يغادر المعاهد، مع ما يشكله ذلك من هدر للفرص، رغم حاجة السوق المحلية إلى أطر فندقية من مستوى عال.
ليست رسالة الآباء إلا قمة الجليد، فالتقارير تتحدث عن كوارث حقيقية، علما أن هذه المعاهد  تتلقى دعما ماليا من الوزارة يتراوح بين أربعة ملايين درهم و22 مليونا، إلا أنها تعاني انتشار المخدرات في عدد منها، والتسيب “الدراسي”.

هل تواجه الوزارة فوضى المعاهد؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن السؤال، لكن الأكيد أن الاستقلالية المالية للمعاهد أدت إلى فوضى مالية، ف”هناك غياب التكوين المستمر، وسوء التغذية المقدمة إلى الطلبة، ناهيك عن تداريب الطلبة الذين تصرف لهم مبالغ مالية، لا يستفيدون منها، وانتشار الدعارة في محيط المعاهد نتيجة عدم التشدد في مراقبة المتغيبين”.

مؤسسات تنتظر الإصلاح

يوجد في المغرب، حاليا، ما يقارب 116 مؤسسة متخصصة في مجال التكوين السياحي والفندقي. ويتم تزويد الشغل في المجال السياحي من قبل ثلاثة فاعلين في مجال التكوين وهم: وزارة السياحة، مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل والمؤسسات الخاصة.

وتدير وزارة السياحة 11 مؤسسة و4 مراكز للتأهيل المهني. وفي ما يخص التكوين العالي، يعتبر المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة التابع لوزارة السياحة المؤسسة الوحيدة المتخصصة في تكوين الأطر العليا.

وتفيد معطيات وزارة السياحة أن عدد الخريجين من هذه المؤسسات يصل، في الموسم الدراسي، إلى 27 ألفا و 192 خريجا، أزيد من 65 في المائة منهم تخرجوا من المعاهد الخاصة، في حين أن المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة التابع لوزارة السياحة يعتبر المؤسسة الوحيدة المتخصصة في تكوين الأطر العليا، ووصل عدد خريجيه في الموسم الواحد حوالي 280.
واعتمدت الوزارة، حسب إستراتيجيتها، لتحقيق أهداف رؤية 2020 مخططا يهدف إلى تطوير ومراجعة منظومة التكوين بالتركيز بشكل خاص على رهان الجودة دون إغفال البعد الكمي، وتم تبني مجموعة من التدابير.

ويهدف مخطط تثمين الرأسمال البشري وجودة التكوين، على المستوى الكمي، تكوين 130 ألف شاب للاستجابة لحاجيات “رؤية 2020” من الموارد البشرية الكفؤة.

جطو يكشف المستور

لم يسلم التكوين في السياحة من “لعنة” الفشل، ففي عهد الوزير السابق صدر تقرير المجلس الأعلى للحسابات بخصوص المعاهد وضعف تكوينها، ثم تواصل الانحدار، وازداد غموضا، علما أنه من المفترض أن قطاع السياحة رافد أساسي في تحقيق التنمية، والأولوية كانت تتمثل في الإسراع في تطبيق توصيات المجلس الأعلى، خاصة ما تعلق بعدم ” تفعيل أغلب الإجراءات التي عهد بها عقد برنامج رؤية 2020 إلى وزارة السياحة، منها، على الخصوص، الإجراءات الرامية إلى تزويد قطاع السياحة بكفاءات ذات مستوى عال، وكذا إبرام اتفاقيات جماعية بين أرباب المؤسسات السياحية ومستخدميها، والعمل على احترام المؤسسات المذكورة لقانون الشغل”، إضافة إلى إعادة تموضع المعهد العالي للسياحة بطنجة، وإنشاء مدرسة تكوين في الفندقة ذات مستوى دولي.

وسجل المجلس، أيضا، أن إحداث الشعب وتحديد أعداد المسجلين في كل شعبة بمختلف معاهد التكوين التابعة لوزارة السياحة لا يخضع لأية توجيهات من الوزارة تهدف إلى مصاحبة تطور الصناعة السياحية، مشيرا إلى أن المعاهد المذكورة “لا تقوم بتكوين سوى 12 بالمائة من مجمل خريجي المهن السياحية، في حين يتم تكوين الباقي بمعاهد المكتب الوطني للتكوين المهني ومؤسسات القطاع الخاص، منبها إلى ظاهرة تجاوز أعداد الموظفين الإداريين لأعداد أساتذة التكوين بجميع معاهد التكوين التابعة لوزارة السياحة تقريبا، إلى حد تشكل فيه أعداد الإداريين أحيانا ضعف أعداد المكونين.
وطبعا أدى هذا الوضع الكارثي إلى نتائج في تشغيل خريجي معاهد التكوين لوزارة السياحة، إذ لاحظ المجلس غياب آلية تتيح تتبع وتيرة الاندماج المهني للخريجين المذكورين إن على مستوى وزارة السياحة أو على مستوى معاهد التكوين نفسها، وهذا عكس ما أوصت به بنود رؤية 2020 للسياحة.

نداء استغاثة إلى ساجد

تحدثت مصادر “الصباح” عن استمرار تردي وضعية المعاهد السياحية، ما دفع جمعية آباء طلبة أحدها إلى توجيه رسالة، مؤرخة في 19 فبراير الجاري، إلى الوزير الوصي على القطاع، وتعلن فيها نهاية المعاهد السياحية، إذ قال الآباء بلغة يملؤها الإحساس بالغبن والمرارة:” إن سلسلة من الأحداث إلى تؤكد بشكل واضح تردي وضعية التكوين والتحصيل بالمؤسسة بسبب السياسات التدبيرية، والمشاكل التي يعيشها التلاميذ من جهة أخرى، ملتمسين من الوزير التحرك للفت انتباه المسؤولين إلى الوضع المزري الذي لم يعد يطاق داخل المؤسسة العمومية”.

يقول المصدر نفسه إن رسالة الآباء، وإن تحدثت عن معهد بعينه، إلا أنها تشهد على الفوضى والعشوائية في التكوين، ففي الشهر الماضي منحت إدارة المعهد التلاميذ عطلة دراسية لأربعة أسابيع كاملة، تحت مبرر عدم جاهزية الميزانية، فتساءل الآباء:”كيف سينتهي المقرر الدراسي وتُحتسب النقط في آخر السنة الدراسية؟ وعلى أي أساس سيتم نجاح المتكونين، علما أن استعمالات الزمن غير محددة، وتتغير مثل ألوان قوس قزح، رغم أنه إلى تاريخ كتابة الرسالة لا يتوفر المعهد على أستاذ اللغة الإسبانية، وغياب كلي لأستاذ اللغة الألمانية، رغم قلة الحصص المخصصة له”.

ولا يطالب الآباء إلا بمنح الطلبة حقهم في التعلم واكتساب المهارات والمعارف التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية، مستوفين شروط الكفاءة، ولا ينتظرون إلا الالتزام باستعمال الزمن، ولائحة العطل الرسمية، وعدم مغادرة أبنائهم الفصول الدراسية، حتى لا يتعرضوا للضياع والنسيان، وينطلقون من أن مصلحة المتعلمين فوق كل اعتبار، لا أن تمنح عطلة طويلة، والعودة إلى الحصص متى يشاؤون.
المثير في الرسالة نفسها أن تلقين بعض دروس المقرر أوكل لتلاميذ من خريجي السنة الماضية، علما أنهم لم يحصلوا على شهاداتهم بعد، فهم لا يتوفرون على التجربة الكافية والمنهجية التي تخول لهم مزاولة هذه المهام، والأكثر من ذلك أن جل الحصص شفوية، فالتكوين داخل المعهد يخلو من الحصص التطبيقية تحت مبرر عدم وجود ميزانية كافية.

وعود لم تتحقق

وعدت الوزارة الوصية على القطاع، حسب إستراتيجيتها، بالتفكير في نمط جديد للتكوين يأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل مجال ترابي سياحي في ما يتعلق بالشعب ومستويات التكوين، إذ أعلنت أنها اتخذت مجموعة من الإجراءات لضمان الجودة في التكوين، من خلال  تعزيز جودة الخدمات والمهارات الشخصية والمهنية، و إتقان اللغات، وتطوير التكوين في الإدارة الوسطى، والتكيف مع تطورات القطاع السياحي وتنوع العرض، عبر تسيير التظاهرات الرياضية والثقافية والترفيهية، ومنتوجات سياحية جديدة  مثل الغولف والمهن الجديدة.
كما أبرزت “رؤية 2020″، في ما يخص التكوين المهني، جيلا جديدا من مدارس الامتياز المتخصصة، التي  سيتم تطويرها في الجهات السياحية الثماني في مجموعة من المسالك، أبرزها التقني، والتقني متخصص في الفندقة، والمطاعم والسياحة، التي يتعين أن تتماشى مع المعايير العالمية.

وقالت الوزارة، في مخططها، في ما يخص التكوين العالي، إنها ستعمل على تعزيز تموضع المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة، باعتباره قطبا للامتياز على الصعيد الوطني ولتأكيد موقعه على صعيد القارة الإفريقية مرجعا في التكوين السياحي، وذلك بدعم من شركاء دوليين، مثل معهد “بول بوكوس” في مجال إدارة الفنادق والمطاعم، وجامعة “هارفارد” و”تورونتو”، من أجل إنشاء مركز الأبحاث للتنمية والسياحة المستدامة. كما برمجت الوزارة إنشاء مدرسة فندقية عليا لتلبية احتياجات القطاع لأطر في الإدارة المتوسطة والعليا في أفق 2020…. وهي وعود لم تتحقق بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق