fbpx
الصباح الـتـربـوي

التشغيل بالتعاقد … سم في عسل

الدريج ينبه إلى مخاطر القرار الوزاري على استقرار المهنة ومستقبل المدرسة العمومية

يثير قرار وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني “توظيف” 11000 إطار بموجب عقود محددة المدة بقطاع التعليم (المذكرة الوزارية رقم 16-866 بتاريخ 7 نونبر2016 في شأن التوظيف بموجب عقد يتم إبرامه مع الأكاديميات الجهوية)، مزيدا من الجدل في أوساط خبراء ومحللين، وتلهبه الوقفات الاحتجاجية والمسيرات التي ينظمها الأساتذة المعنيون، بين الفينة والأخرى.

ويتداول المهتمون، منذ أيام، مساهمة رصينة في النقاش العمومي حول التوظيف بموجب عقود كتبها محمد الدريج، الخبير في قضايا التعليم وبناء المناهج التربية، مبرزا فيها الخلفيات الحقيقية للمذكرة الوزارية والمرتكزات المرجعية لقرار التشغيل من هذا النوع، وانعكاساته على مستقبل المدرسة العمومية.

وقال الدريج إن التشغيل بالتعاقد بقطاع التعليم ليس إجراء مؤقتا، أو قرارا فرضته ظرفية الخصاص المهول ومصلحة التلاميذ والاكتظاظ في الأقسام وحجم عدد المتقاعدين، أو قرارا معزولا عن السياسة العامة المتبعة في تدبير السياسات العمومية وسياسة البلد برمته. «إنه مخطط إستراتيجي مرتبط بإجراءات سبقته وأخرى ستليه. مخطط سيعيد هيكلة النظام التعليمي على أسس جديدة تجعله أكثر ملاءمة مع حاجيات الرأسمال العالمي والمحلي».

وقال الباحث إن قرار التعاقد بقطاع التعليم هو تنفيذ لجملة من الاتفاقيات السرية والعلنية، بعضها مع الاتحاد الأوربي وبعضها الآخر مع الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار ما يسمى باتفاقيات التبادل الحر ونموذج برنامج «ميدا» الذي يستهدف تكييف الاقتصاد والتشريع المغربيين مع قواعد منظمة التجارة الدولية.

وأوضح الدريج أن جل هذه الاتفاقيات تلتقي في مجموعة القواعد، أو القيود التي تكرس مرونة التشغيل وإصلاح التعليم كي يصبح في خدمة المقاولات المغربية والأجنبية الوافدة، و»هي القيود التي استسلمت لها الدولة، مقابل خدمات الديون المتراكمة منذ بداية عقد الثمانينات إلى اليوم».

إن قرار التشغيل بالعقدة بقطاع التعليم بعيد كل البعد عن أي قرار مستقل لوزير أو حكومة مغربية،أكانت حكومة واجهة أم حكومة الظل.

فالمخطط سبقته قرارات مشابهة، نذكر من بينها المنشور الثلاثي القاضي بتشغيل العرضيين خلال المنتصف الأخير من التسعينات، وقرار تشغيل أساتذة بالعقدة بتاريخ 3 غشت 2009 وقرار فصل التكوين عن التوظيف الموسم الماضي 2015/2016، وكلها قرارات تنحو النحو نفسه، وتأتي تنفيذا للسياسات المملاة من أطراف خارجية وتنفيذا لبرامج التقويم الهيكلي المنطلقة بداية الثمانينات مرورا بالانصياع التام لتوصيات البنك العالمي وتقريره الشهير لـ1995 حول المغرب (الذي يطالب بضرورة تخفيظ نفقات التعليم واستعمال المال العام ،على محدوديته، من أجل أن يصبح المحرك الأساسي للقطاع الخاص)، وصولا إلى اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية واتفاقية التبادل الشامل مع الاتحاد الأوربي التي تنص على منع استنساخ الأدوية وفتح التعليم والصحة للشركات متعددة الجنسيات للاستثمار بالقطاع العام، ثم اتفاقيات شراكة أخرى تم إبرامها مع المؤسسات المالية الأجنبية كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

وعاد الدريج إلى المرتكزات المرجعية لقرار التشغيل بالتعاقد التي انطلقت منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي نص على عبارة «تنويع أوضاع المدرسين» التي لها دلالة واضحة، حسب رأيه، تفيد تفكيك وحدة شغيلة التعليم وتفييء المدرسين ووضع حد لمعادلة الشغيلة في مواجهة الدولة، مقابل المعادلة الجديدة: الفرد في مواجهة المؤسسة المتعاقد معها.

تفكيك أسرة التعليم

من المخاطر، الذي أشار إليها محمد الدريج في دراسته، تكريس التمييز بين فئات الشغيلة التعليمية، لأن الأساتذة المراد التعاقد معهم مطالبون بالتوقيع على عقد تتناقض بنوده مع مضمون ما جاء به القانون الأساسي للوظيفة العمومية، وما جاءت به اتفاقيات حقوق الإنسان، خصوصا المساواة في الترقية والأجر والترسيم.

وقال الدريج إن من شأن العمل بنظامين متناقضين بقطاع التعليم المس بالشغيلة، بمعنى العمل، في آن واحد، بنظام التوظيف المعمول به منذ نهاية الخمسينات 1959، ونظام التشغيل بالعقدة المراد العمل به اليوم، ما سيزيد من تشتيت أسرة التعليم، وسيخلق مصاعب كبيرة في توحيد نضالاتها، إذ ستختلف مطالب الفئتين، فئة مرسمة وأخرى غير مسموح لها بالترسيم، وفئة تعمل في شروط قارة وأخرى معرضة للطرد في أي لحظة.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق