الصباح السياسي

انتهاكات حقوق الإنسان بتندوف… صمت دولي مطبق

تعذيب وتجنيد للأطفال واغتيالات واختطافات وقمع للأصوات المعارضة لجبهة بوليساريو

يجمع كافة الذين قرروا العودة إلى أرض الوطن، هاربين من مخيمات تندوف، على أن الأخيرة بمثابة “جحيم” لا يطاق. فجميع حقوق الإنسان مهضومة في هذه المخيمات التي تؤوي مواطنين رغما عنهم . والشهادات التي يدلي بها العائدون، والصور التي يكشفون عنها تبين أن الأوضاع ليست على مرام وتحتاج إلى تدخل دولي عاجل لحفظ كرامة المواطنين ورفع الأذى الذي يلحقهم من قبل شرذمة من الانفصاليين، والغريب في أمر هذه الممارسات أنها تحدث تقع أمام أنظار منظمات دولية دون أن تحرك الأخيرة أي ساكن أو تبادر بالجهر بكلمة حق.

شجاعة
عائدون تملكتهم الشجاعة، ولم يترددوا في إماطة اللثام عن مختلف آليات التعذيب التي استعملت في حقهم أو في حق الأسرى من الجنود. وقد سبق للعديد منهم أن كشفوا ل”الصباح” كيف أنهم سجنوا في حفر تحت الأرض، ووسط الصحراء، وقضوا أياما دون نوم، بسبب “الممارسات الدنيئة” التي يقوم بها حراس السجون لحمل المحتجزين على عدم تذوق نعمة النوم والاستراحة.
أحجار تسقط على القصدير الذي يغطي حفر المحتجزين، وآخرون يتركون مكبلين من أرجلهم لفترات طويلة، وآخرون ظلوا محتجزين في أقبية مظلمة، حتى فقدوا بصرهم، وآخرون اقتلعت ضروسهم بغلظة ..
مشاهد رهيبة وثقها محتجزون فروا من جحيم مخيمات تندوف، الواقعة تحت سيطرة ونفوذ السلطات الجزائرية، لكن لا أحد يحاسب هذه الدولة، ويحدد مسؤوليتها القانونية والحقوقية.
يوميا تتعرض الحقوق الأساسية للمحتجزين إلى الانتهاك، وسط صمت رهيب لمنظمات دولية تكاد تحشر أنفها في أمور تقل أهمية مما يقع يوميا في تندوف. هناك من يعتبر المسألة داخلية لا تهم إلا المغرب وانفصاليي جبهة بوليساريو، وهناك من اكتفى بالانحياز السافر إلى  وجهة نظر الانفصاليين، دون أن يكلف نفسه عناء التحقق مما يجري في المخيمات.
وتمثل شهادات المحتجزين الذين تمكنوا من الفرار من مخيمات تندوف حججا دامغة،  لإدانة وتحريك آليات المتابعة ضد مرتكبي هذه الجرائم ضد الإنسانية، لكن بحكم أن المنطقة حيث توجد المخيمات تدخل ضمن سيطرة السلطات الجزائرية، وبما أن المنظمة لا تشهد أي نزاع مسلح منذ بداية التسعينات، فإن التعقيدات القانونية تظهر بشكل بارز، وتشوش على خبراء القانون الدولي الإنساني الذين من شأنهم أن يحددوا فضاء التدخل حين يتعلق الأمر بنزاع دولي مسلح أو نزاع غير دولي مسلح.
ففي مخيمات تندوف، الأمر يختلف كثيرا عن الاحتمالين المذكورين سلفا، فالمنطقة خاضعة لنفوذ دولة مجاورة، والصحراويون القابعون في مخيمات تندوف محتجزون ضدا على إرادتهم، فلو تعلق الأمر بلاجئين، لما عادت تلك الأفواج من منهم وقررت العيش بين أحضان عائلاتها في المغرب.

تباين
ومن بين الأحداث التي وقعت وبينت الوجه الحقيقي لعدد من المنظمات والجمعيات الحقوقية العالمية حدث اختطاف واحتجاز مصطفى ولد سلمة، مقارنة مع ما جرى بالنسبة إلى أمينتو حيدر. فالواقعتان تختلفان من حيث التعامل والمعالجة، لأنه في الوقت الذي ارتفعت الأصوات وشدت عدسات الكاميرا صوب أمينتو حيدر، وازدادت النبرة الحقوقية، لوحظ نوع من الفتور في التعامل مع الوضع الذي وجد فيه مصطفى ولد سلمة نفسه لمدة زادت عن ستين يوما. إنها المفارقات التي تكشف الوجه الحقيقي لكل من يعتقد أن بإمكانه أن يستغل الجانب الحقوقي الإنساني الكوني النبيل من أجل تمرير مواقف سياسية أو ترجيح كفة طرف دون آخر.
إن الدعوة إلى عدم تسييس حقوق الإنسان وعدم اتخاذ هذا الجانب ذريعة لتصفية حسابات سياسية، يتطلب  التحلي بالجرأة والاتصاف بالصفات التي تسمح بمزاولة “مهنة الدفاع عن حقوق الإنسان” وحمايتها من الانتهاكات، وما يقع من انتهاكات في مخيمات تندوف يطرح أكثر من سؤال على الذين يعتقدون أن بإمكانهم أن يكونوا بوقا سهلا بين أيدي بعض الجهات.
إن المدافع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يقبل أن يسمع بمخيمات، حيث يقبع آلاف الأشخاص، بدون رغبتهم ولا إرادتهم، يذوقون مختلف أنواع التعذيب ويتعرضون إلى الإهانة وإلى أشكال حاطة بالكرامة الإنسانية.

نادية البوكيلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق