fbpx
ربورتاج

مخدرات بوصفات طبية

عقاقير وأدوية يعاد بيعها في السوق السوداء وتهدد صحة الشباب

“الكوميرة”، “الدوبوان”، “الفرفارة”،”المخلوضة”، “المبرهشة”.. وغيرها من التسميات التي ستبدو غريبة للقارئ إذا لم يكن مطلعا على آخر صيحات التعاطي في أوساط المدمنين، فهي ألقاب شائعة لعقاقير تباع في الصيدليات وتوصف للمرضى نفسيا أدوية للعلاج. غير أن أسماءها اعتلت، في الآونة الأخيرة، قائمة المخدرات الرائجة في السوق السوداء وأضحت موردا لتجارة مربحة، تحول الدواء إلى داء و تهدد صحة الشباب، وهم في غفلتهم يعمهون. في هذه الورقة، اخترقت “الصباح” عالم الإدمان من جديد، لترصد حيثيات هذه الظاهرة وتطلعكم على واقع تعاطي الأدوية بجميع أنواعها، من خلال شهادات متعاطين، وآراء مختصين وخبراء يؤكدون خطورة استعمالها.

يسرى عويفي (صحافية متدربة)

أصبح تعاطي العقاقير الطبية أمرا شائعا، بعدما انتقل معظمها من رفوف الصيدليات إلى السوق السوداء وأيدي المروجين، فأضحت “المخدر المفضل” لدى العديد من المدمنين، نظرا لثمنها المنخفض، مقارنة بـ “المخدرات التقليدية”، وسهولة الحصول عليها، وعلى الوصفات الطبية التي قد تكون خاصة بالمروجين أنفسهم، أو أحد أقربائهم.

ويفيد، أحد متعاطي “الكوميرة”، نسبة إلى الشكل الملولب لحبوب الدواء، التي تباع بـ 10 دراهم للحبة الواحدة، أن مروجي هذه الأدوية، الملقبين بـ”الأطباء”، يعرضون على “زبناء الدوخة” تشكيلة من الأقراص والحبوب، التي لا يكاد المرء يفرق بينها، وينصحونهم بالدواء المناسب، حسب الحالة والتأثير المرغوب، أو نوع المخدر الذي يتعاطاه الزبون في العادة، إذا عجز عن أداء ثمنه، واضطرته “القطعة” لاقتناء أي مخدر بديل يناسب سعة جيبه. لكن “أطباء الدوخة” لا يتكلفون عناء تحديد الجرعات أو الأوقات المناسبة لأخذها، بل يزودون الزبون بالكمية التي يشاء حسب قدرته المادية، وكرم دريهماته.

ويضيف محدثنا، البالغ من العمر 34 سنة، والقاطن بحي لالة مريم بالبيضاء، أن إدمانه لهذا العقار، بعد تجربة مختلف العقاقير التي عرضها عليه المروج، “أفضل من إدمان الكحول، وكؤوس الخمر المكلفة، التي كان يعاقرها منذ أن أصبح عاطلا عن العمل… أما اليوم فلا شاغل له عن همومه، سوى تلك الراحة الكاذبة التي تمنحها له جرعة الدواء اليومية، بثمن بخس”.

أطباء في اللائحة السوداء

أكد لنا أحد الصيادلة، الذي تحفظ عن ذكر اسمه، أن بعض ممارسي الطب يتورطون، بين الفينة والأخرى، في مثل هذه العمليات، لكن أسماءهم معروفة لدى معظم الصيدليات، وأول شيء يتحرونه عند توصلهم بوصفة لأحد العقاقير المخدرة، هو اسم الطبيب الذي وصفها، وما إذا كان مندرجا في اللائحة السوداء أو لا، مضيفا أن الاستعمالات غير المشروعة للأدوية، لا تقتصر على تلك الخاصة بالأمراض النفسية والعقلية، بل كذلك بعض أدوية السعال والزكام والحمى، التي يتم خلطها بمواد أخرى كالكحول ودق بعضها ثم استنشاق المسحوق، أو تعاطيها بجرعات كبيرة، نظرا لاحتوائها على نسب قليلة من المواد المخدرة، كمشتقات “الأفيون” مثلا.

شهادات طبية مزورة

تقول منى، طالبة تبلغ من العمر 22 سنة، أنها زارت أحد ممارسي الطب العام بالبيضاء، للحصول على شهادة طبية مزورة تبرر تغيبها لثلاثة أيام عن الدراسة، فسألها الطبيب عن حجة غيابها وهو يملأ أسطر الشهادة، بعد أن اطلع على بطاقتها الوطنية، غير مهتم بالتأكد من صحة ما ستخبره به، ثم أجابته أنها مرت ببعض المشاكل العائلية والعاطفية، ما جعلها تعاني بسبب الكآبة المرفقة بالتعب البدني، والحقيقة أنها كانت تستمتع في مراكش رفقة أصدقائها، ليتطلع إليها بغير مبالاة قائلا “في المرة المقبلة، يجب أن تزوريني في أول يوم من الغياب، اتفقنا؟ ..

هل ترغبين أن أرفق الشهادة بوصفة طبية؟”، فأجابته بنعم، ظنا منها أنه سيدون أسماء فيتامينات ومكملات غذائية، ثم استطردت قائلة “أخذت الشهادة والوصفة على عجلة من أمري، وسلمت للممرضة 50 درهما ثم رحلت، لأتفاجأ عند إلقائي نظرة عليها، أنه وصف لي دواء شبيها ب”الدوبوان”، الذي سبق وسمعت أصدقائي يتكلمون عن رواجه في سوق المخدرات، وعن تأثيراته المهلوسة، فاتصلت بهم لأخبرهم عن ذلك، قبل أن أتجه لعدة صيدليات رفضت تسليمه لي، إلى أن ابتعته من إحداها، وجربناه سوية..

إن الجيد في هذا الدواء كونه غير ذي أثر ظاهر، لكنه يجعلك تحس بالراحة والسعادة”، وتضيف بحزن ظاهر “لقد شارفت الحبوب على الانتهاء، وأخاف أن لا يصفه لي الطبيب مرة أخرى عند عودتي، فقد زاره أحد الرفقاء وأخبره بالكذبة نفسها التي ألفتها للحصول على شهادة، لكنه وصف له دواء للحمى، وأقراص “ماغنيزيوم” لتهدئة الأعصاب.. والظاهر أنه يدون الأدوية عشوائيا، وعلى مزاجه الخاص”.

حركات: من دواء إلى داء

في ما يتعلق بالتأثيرات النفسية والجسدية لإساءة استعمال هذه الأدوية، يقول أبو بكر حركات، اختصاصي في علم النفس والجنس، في حديثه مع “الصباح”، أن لكل دواء مفعولا ثانويا، سواء تعلق الأمر بالأدوية المخدرة أو غيرها، باعتبارها خاصة بالأشخاص الذين يعانون خللا ما، وجب تصويبه.

وفي حالة المرضى نفسيا، فإن العلاج الدوائي يساهم في إعادة توازن العمليات البيوكيميائية بالمخ، وتعويض الخلل الكيميائي الذي حدث به، كي يتمكن الشخص من الخروج من حالته المرضية، وتخطي مشاكله. أما استعمالها من قبل غير المرضى، فقد يتسبب في اختلالات بنيوية بالمخ، لأن دماغ المريض مستعد لاستقبال هذه العقاقير والتفاعل معها، عكس الشخص العادي، ناهيك عن الوقوع في الإدمان،عند تناولها بدون استشارة أو وصفة طبية، وتشكيل خطر على حياة المتعاطي، عند أخذ جرعات كبيرة منها.

ويحذر الدكتور أبو بكر، من القدرة الإدمانية العالية لبعض العقاقير، الخاصة بعلاج الاكتئاب والقلق، والصرع، والأمراض الذهانية، التي قد يعتاد عليها الشخص غير المريض، ويستمر في زيادة الجرعة شيئا فشيئا، من أجل الحصول على النشوة ذاتها، والتأثير المخدر، الذي قد يتجلى في حالات غير عادية من النشاط، والهلوسات، وفقدان الوعي النسبي، ثم الأعراض الجانبية كالارتخاء، والهلع، والتوتر، وحالات الهذيان، واضطرابات النوم، في حال استخدامها لفترة طويلة، كما قد تؤدي للعجز عن ممارسة الأنشطة اليومية، دون تجرع كمية وفيرة منها.

تجارة مربحة

يجني مروجو الأدوية، التي توصف عادة للمصابين بالاضطرابات العقلية والعصبية، أرباحا مهمة عن تلك التي يجنونها من بيع “المخدرات التقليدية”، كما يتم تداولها عبر شبكات خاصة بترويج الأقراص الطبية المخدرة، بشكل غير مشروع، أو تسريبها من شركات صناعة الأدوية والمواد الصيدلانية.

وحسب ما أفاد أحد المروجين فإن أثمنة الحبة الواحدة في السوق السوداء، تتراوح بين 10 دراهم و30 درهما، حسب وفرة الدواء واختلاف المواسم، في حين لا يتعدى ثمن معظم العلب التي تحوي عشرات الحبوب، لدى الصيدليات بعد قيامنا بجولة في العديد منها، 50 درهما، وعلى سبيل المثال علبة حبوب “الكوميرة”، التي تحوي 30 حبة دواء بـ 29 درهما، والدواء ذو مفعول “الدوبوان” الذي تحوي علبته 20 حبة، بـ 34 درهما.

التهريب من الجزائر

صرح الدكتور يوسف فلاح، صيدلي وباحث في السياسة الدوائية وجودة المنتجات الصيدلانية، في حديثه مع “الصباح” ، “بأن ما يفوق 95 في المائة من “القرقوبي”، وهو أحد أخطر أنواع الأدوية الرائجة منذ سنوات، يتم تهريبها من الجزائر عبر الحدود”، مشيرا إلى أن له تسميات عديدة كـ”بولا حمرا”، “الدوبوان”، “الروش”، بينما “يطلق عليه تجاريا اسم “الريفوتريل”، وينتمي إلى مجموعة أدوية تسمى علميا “البينزوديازبين”، التي تحتوي على مادة فعالة تدعى “برومازيبام – 6 مغ”، وهي المادة ذاتها التي تدخل في تركيب دواء مشابه متوفر في الصيدليات، والذي يتم استعماله أيضا في غير محله، وترويجه، للأسف الشديد، في أوساط الشباب والمراهقين، وأمام أبواب المدارس”.

ويضيف الباحث، أن باقي العقاقير المخدرة، التي يتم التحايل على الصيدليات للحصول عليها، إما “تسلم عن طريق وصفات طبية مزورة بشكل متقون يصعب التشكيك فيها، أو تحت التهديد، كما هو الحال بالنسبة لبعض الصيدليات الموجودة في المناطق النائية، أو بعض الأحياء الشعبية”، داعيا عناصر الشرطة والدرك، إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة و”التجاوب فوريا مع اتصالات الصيادلة المعرضين للخطر والتهديد، قبل أن يتم تسليم الدواء للمعني”.

وفي السياق ذاته، يؤكد فلاح، أن لهذه الأدوية تشريعا خاصا لدى الصيادلة، محيلا على القانون الخاص بمبيعات هذه الأنواع من الأدوية، الصادر سنة 1922، والذي ينص على ضرورة تسجيلها بكناش مسجل لدى المصالح المختصة، سواء المحكمة الابتدائية أو العمالة أو الباشوية، ، حيث يتم تسجيل اسم الدواء، وعدد العلب التي تم صرفها، ثم اسم وعنوان كل من المريض والطبيب المعالج. أما إذا لم يكن المريض من زبنائهم المعتادين، فيطلب منه الإدلاء بالبطاقة الوطنية للتأكد من أنه صاحب الوصفة الطبية وحاملها، وفي حالات العجز، أو قدوم أحد أقرباء المريض الذي قد يكون طريح الفراش، يتم تصريفها للحامل عند ثبوت القرابة، مع أخذ نسخة للهوية من باب الاحتياط.

ويشير الدكتور فلاح إلى أن أغلب الصيادلة الذين يشتبهون في غاية الزبون من الدواء، يخبرونه أنه منقطع، أو محظور، أما عند تسليمه للمريض، فيقومون بختم الوصفة الطبية، وإدراج تاريخ تسليم الدواء، لمنع تكرار صرفه لدى صيدلية أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى