الفيزازي*: التشدد مع الدولة مآله الفشل < برأيكم، كيف تم التعامل مع ملف 16 ماي؟< في البداية أقدم التعازي لضحايا أحداث 16 ماي 2003 الإجرامية للمرة التاسعة على التوالي، ذلك لأن حلول الذكرى موقظ للمواجع التي لا تقهر، والتعازي تصبير على الآلام..وبصفتي أحد ضحايا أحداث 16 ماي الإرهابية فإنني أجزم كما يجمع كل متتبع بالجزم على أن التعاطي مع هذا الملف لم يراع فيه عدل ولا إنصاف، ولم تحل قضيته على قانون أرضي ولا شرع سماوي، ملف سيمته الظلم السافر، والتجاوزات التي صرح بها عاهل البلاد لجريدة الباييس الإسبانية سنة 2005، وهو التصريح الذي فتح لنا بداية الأمل الحقيقي ونحن في غياهب السجون حيث امتلكنا الذهول مما وقع من تفجيرات غبية من جهة، ومما تبعه من اعتقالات عشوائية من جهة ثانية. هل كانت مقاربة الدولة التي اعتمدتها هي الطريقة المثلى لمواجهة الإرهاب؟أبدا، ولا أحد يقول بذلك. المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لاستئصال الإرهاب، ولا لاستئصال أي فكر كيفما كان نوعه على الإطلاق. الأفكار والعقائد لا يقضى عليها بالسجن والإكراه، بل بإستراتيجية محكمة ودقيقة ومنهجية، منها ما هو آني ومستعجل، ومنها ذو مدى متوسط ثم بعيد.لابد من معالجة الظاهرة بالنظر إلى أسبابها ومسبباتها، والعمل على استئصال تلك الأسباب قبل استئصال نتائجها، وما الإرهاب إلا نتيجة وليس سببا. الارتدادات لإرهاب الدول الغربية للأمة الإسلامية منها ما هو مشروع وواجب مثل مقاومة الفلسطينيين للمحتل على سبيل المثال، وهذا جهاد في سبيل الله، ومنها ما هو ممارسة خاطئة لمفهوم الجهاد مثل التفجيرات العشوائية في العواصم الغربية بله المدن الإسلامية التي لا تعرف احتلالا ولا هم يحزنون، ومنها ما هو بليد وغبي مثل تفجيرات الدار البيضاء وأركانة... وهي التفجيرات التي لا مسوغ لها ولا يمكن تفسيرها بأي شيء آخر سوى أنها تفجيرات غبية وبليدة. وعلى هذا التشخيص يجب أن تتم المقاربات، وكل بحسبه. ألا تعتقدون أنه بوصول الإسلاميين إلى الحكم ستقل حدة التوتر بين السلفيين/ الإسلاميين والدولة؟أعتقد ذلك. وأكبر دليل عليه الإفراج عن الشيوخ الثلاثة، وكلنا يعرف ما قام به مصطفى الرميد وزير العدل والحريات بهذا الخصوص، وقد استجاب ملك البلاد مشكورا لملتمسه، وأفرج عن الشيوخ. هذا وإنني من الذين يسعون في إنهاء أي توتر مع الدولة... لأنه توتر ليس في صالح أحد، من جهة، وتوتر محسومة نتائجه من جهة ثانية، إذ لا مجال لقياس موازين القوة... فالدولة هي القوية ولا أقول الأقوى لأن مفهوم المفاضلة غير موجود أصلا، وكل توتر مع الدولة، سيما ما يفتعله البعض من عنجهية وعرض عضلات دونكيشوتية، مآله فشل ذريع وزوال مذل. والحكيم من يعرف قدره ويسلك مسلكه لا يتعداه. وصول الإسلاميين إلى الحكم مفيد، ووصولهم في أكثر من دولة عربية وإسلامية أفيد، ولا يمكن إلا أن يكون عامل إعادة الثقة وربط الجسور وفتح قنوات جديدة للتفاهم والتحاور. * محمد الفيزازي: شيخ سلفي لكحل*: المقاربة الأمنية أثبتت نجاعتها برأيكم، كيف تم التعامل مع ملف 16 ماي؟لفهم وتفهم الكيفية التي تعاملت بها الدولة مع ملف 16 ماي ينبغي وضعه في سياقه السياسي والتاريخي، فالمغرب لم يشهد من قبل عمليات انتحارية بخلفية دينية، فكانت الصدمة قوية هزت وجدان المجتمع وأربكت أجهزة الدولة التي كانت غافلة عما يجري من متغيرات داخل المجتمع بفعل إشاعة فقه الغلو والتطرف والتحريض على القتل من طرف التنظيمات المتطرفة التي استغلت تراخي الدولة وحالة السيبة والتسيب الذي عرفه الحقل الديني طيلة عقدين من الزمن (ثمانينات وتسعينات القرن العشرين)، إذ سيطرت هذه التنظيمات إما إداريا أو إيديولوجيا أو هما معا على معظم المساجد ولم تعد وزارة الأوقاف تشرف سوى على 30 في المائة.في ظل هذه الوضعية، روجت الحكومة فكرة الاستثناء المغربي، أي أن المغرب لن يعرف تنفيذ العمليات الإرهابية على النحو الذي عرفته بعض الدول خاصة الجزائر والسعودية. وبفعل الصدمة والارتباك وغياب التجربة لدى الأجهزة الأمنية في التعامل مع ملفات الإرهاب، فقد وقعت تجاوزات في عدد من الملفات كان من الممكن تفاديها لو أن التعامل مع الأحداث الإرهابية تم بطريقة احترافية.أما بخصوص الإعلام المكتوب وبعض الهيآت الحقوقية والحزبية فقد تعاملت مع أحداث 16 ماي من منطلق التشكيك في رواية الدولة واتهام الأجهزة الأمنية والمخابراتية بتدبير التفجيرات. كيف ترون الطريقة الأنسب لطي الملف نهائيا؟أعتقد أن الملفات التي عرفت تجاوزات في أحداث 16 ماي قد تمت معالجتها عن طريق العفو الملكي، بحيث لم تعد هناك ملفات بحاجة إلى تصحيح . لقد فتحت أمام العناصر المتبعة في قضايا الإرهاب كل السبل: الطعن في الأحكام، طلب العفو، إجراء مراجعات فكرية والتراجع عن عقائد التطرف. وليس من مصلحة الدولة أن تخضع لابتزاز العناصر المتطرفة. بل المطلوب من الدولة تشجيع المراجعات لدى المتطرفين والعمل على إدماج من تراجع عن عقائده الضالة، في النسيج المجتمعي، فضلا عن تقديم المساعدات الضرورية لأبناء وذوي ضحايا العمليات الإرهابية. ألا تعتقدون أنه بوصول الإسلاميين إلى الحكم ستقل حدة التوتر بين السلفيين/ الإسلاميين والدولة؟لنميز بين توجهين: الأول يقبل بالعمل السياسي من داخل المؤسسات وضمنه جزء من السلفيين، إلا أن انخراطهم في العملية السياسية لا يعني نهاية التوتر، بل تأجيله خصوصا أن حزب العدالة والتنمية يوظف الحكومة لتوفير الغطاء الأمني والقانوني للتيار السلفي حتى يستجمع عناصره ويشكل قوة سياسية ضاغطة تفرض على الدولة، في مرحلة مقبلة، تعديل سياستها واختياراتها الحداثية وفق مطالب السلفيين. الاحتمال مفتوح على تشكيل تكتل يضم الإسلاميين والسلفيين لمواجهة التيار الحداثي. في هذه الحالة سيحد التوتر بين هذا التكتل وبين الدولة لأنه سيعرقل برامج الدولة واختياراتها الاستراتيجية.أما التوجه الثاني فيمثله التيار الجهادي التي تمثله السلفية الجهادية، والتيار الانقلابي الذي تمثله جماعة العدل والإحسان. وكلا التيارين يجمع بينها العداء للدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي. هذا التوجه سيتقوى خصوصا إذا تعثرت تجربة العدالة والتنمية في تدبير الشأن العام والاستجابة لانتظارات المواطنين. واستمرار الدولة في تفكيك الخلايا الإرهابية حتى بعد تولي حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة دليل على أن لهذا التوجه رؤاه وإستراتيجيته لن يتخلى عنها. وقد رأينا كيف أطرت جماعة العدل والإحسان الاحتجاجات وأججتها في كثير من المدن المغربية في ظل حكومة بنكيران. *سعيد الأكحل: أستاذ باحث أجرت الحوارين: هجر المغلي