خاص

إصلاح القضاء… من الوظيفة إلى السلطة

المسلسل بدأ بإحداث المحاكم الخاصة وتقوية نظام التفتيش وصولا إلى الإصلاح الشامل للقضاء

مبادرة إصلاح القضاء، ليست وليدة اليوم، بل سبقتها خطوات في فترات زمنية متتالية، سعت إلى تجاوز الازدواجية، التي ولدتها فترة الحماية، بداية بتطبيق نظام قضائي عصري وآخر «أهلي». مباشرة بعد استقلال المغرب، عاش المغرب ثلاث محاولات للإصلاح، الأولى ما بين 1959 و1964، شهدت إقرار ترسانة قانونية وطنية في جهاز القضاء، لتجاوز وضعية الازدواجية، الثانية خلال الفترة ما بين 1965 و1974، تميزت بمغربة وتعريب وتوحيد القضاء المغربي، ثم إصلاح ثالث سنة 1974، هم إصدار التنظيم القضائي وقانون المسطرة المدنية والنظام الأساسي لرجال القضاء، وإحداث تعديلات ضمن المسطرة الجنائية، إذ كانت هذه الإصلاحات تروم تبسيط المساطر وتسريع تنفيذ الأحكام وتقريب القضاء، كما اتسمت هذه المرحلة بإحداث محاكم الجماعات والمقاطعات.

القضاء من الوظيفة إلى السلطة
ينتقد عدد من الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني، الدور السلبي الذي لعبته مؤسسة القضاء خلال سنوات الرصاص، وما صاحبها من اعتقال واختطاف ومحاكمات على المقاس، وهي الوقائع التي كشفتها تقارير رسمية، كان آخرها تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن استغلال القضاء رافقته ممارسات تشكل اليوم جزءا من ممارسات ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب، عن العديد من الممارسات التي تورط فيها القضاء خلال تلك الحقبة من تاريخ المغرب الأليم، إذ جرت عمليات الاعتقال والاختطاف دون عرض المشتبه فيهم على القضاء، في الوقت الذي التزمت فيه هذه المؤسسة الصمت حيال ما كان يجري.
يطرح السؤال حول وظيفته بالضبط، هل يمتلك السلطة أم يمارس وظيفة؟ شأنه شأن باقي موظفي الدولة، ذلك أن الوضع اليوم، يحصر دور القضاء في أنه وظيفة وليس سلطة قضائية تمارس اختصاصات واسعة، باعتبار أن الدولة من خلال بعض ممارساتها تساهم في خلق شروط فساد القضاء، وذلك بتدخل بعض المؤسسات للتأثير على السير العادي لجهاز القضاء، كما أن استمرار تحجيم دور القاضي ووضعه تحت سلطة المجلس الأعلى للقضاء، وسلطة الوزير الأول داخل هذا الجهاز التي يستمدها من تفويض الملك، تجعل القاضي مجرد موظف لدى وزارة العدل، لا يتمتع بأي سلطة باستثناء سلطة تكييف الأحكام والوقائع لإنفاذ الحكم.

استقلالية القضاء من استقلال القاضي
يجمع المهتمون على أن القضاء في المغرب لا يتمتع بأي مظهر للاستقلال، فالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجرد عدد الحالات التي كانت ضحية تواطؤ القضاء، يظهر كيف أن الأخير استعمل بدون كبير صعوبة من طرف أجهزة الدولة لتنفيذ مخططات قمعية لكبت الحريات، والتغطية على الجرائم، والتنكيل بالمعارضين، والمنازعة عمليا في حق المعارضة، وتعطيل الممارسة الديمقراطية، ومصادرة حق الضحايا في الإنصاف وحق المجتمع في مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. هذه الوقائع تجعل من القاضي تابعا للأحوال والظروف التي تسود، ولا يتمتع بأي استقلالية عن أطراف الصراع كيفما كان نوعه.
من جهة أخرى لا تتمتع مؤسسة القضاء بأي استقلالية مالية، فميزانية وزارة العدل جزء من الميزانية العامة للدولة التي تحدد فيها المداخيل والمصاريف المرتبطة بتسيير وتجهيز الوزارة نفسها والمحاكم القضائية، كما أن الأخيرة ترتبط ماليا بميزانية الوزارة ونظم تسييرها وتمركز سلطات التدبير المالي في الإدارة المركزية، ذلك أن حاجيات المحاكم ومطالبها المادية لتسيير وتدبير الشؤون اليومية، تخضع لولاية مديرية الميزانية ومديرية التجهيز، وهما مديريتان مركزيتان تابعتان تنظيميا وقانونيا للكاتب العام للوزارة ومن بعده للوزير نفسه. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى المجلس الأعلى للقضاء، إذ رغم أنه مؤسسة دستورية مستقلة، فهو من الناحية المالية أقرب إلى مصلحة تابعة لوزارة العدل وملحقة بها في ما يتعلق بنفقاته ومصاريفه ومقره.

المجلس الأعلى للقضاء… سلطة السلط
السلطة القضائية نعقد برئاسة الملك، وتتكون من أعضاء معينين بقوة القانون بحكم مناصبهم القضائية، ومن أعضاء منتخبين من طرف القضاة، وفق مرسوم 1975.12.27 كما وقع تغييره وتتميمه. وهكذا فالأعضاء المعينون هم، وزير العدل بصفته نائبا للرئيس، والرئيس الأول للمجلس الأعلى والوكيل العام للملك لديه ورئيس الغرفة الأولى به، فيما ينتخب ستة أعضاء يتوزعون بين اثنين يمثلان هيأة قضاة محاكم الاستئناف، وأربعة يمثلون قضاة محاكم الدرجة الأولى، ينضاف إليهم الكاتب العام لوزارة العدل، الذي يحضر بصفته الإدارية والتنفيذية.
من الانتقادات التي توجه إلى نظام المجلس الأعلى، أنه لا الدستور ولا النظام الأساسي للقضاة، تطرق إلى مسطرة وشروط تقلد منصب الرئيس الأول والوكيل العامل للملك لدى المجلس الأعلى مع أنهما منصبان رفيعان في الهرم القضائي، وهكذا، فإن الاكتفاء بتعيينهما يعني أن مركز القرار في المجلس الأعلى للقضاء ليس بيد القضاة، بل هو بيد السلطة التنفيذية، بما يمس مبدأ الفصل بين السلط.
نظام انتخاب ممثلي القضاة في المجلس، فهو الآخر، حسب المتتبعين، لا يعكس صورة الاستقلال المفترض للقضاة ومنها ضمان استقلالهم. فقد أعطى النظام الأساسي للقضاة، لوزير العدل، صلاحيات مطلقة في مجال تحديد قواعد وشروط انتخاب ممثلي القضاة بالمجلس، بوصفه يضع اللائحة الانتخابية، وتلقي الطعون بشأنها وبشأن الترشيحات، كما أن الوزير من يعين القضاة أعضاء مكاتب التصويت. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ الحقوقيون أن التنظيم الهيكلي لوزارة العدل، جعل كتابة المجلس الأعلى للقضاء مرتبطة بصفة مباشرة بالوزير وتابعة له، بل إن مقرها ومقر المجلس نفسه يوجدان ببناية الوزارة نفسها، إذا لا يتوفر المجلس الأعلى للقضاء على بناية مستقلة خاصة به.

إصلاح القضاء وإصلاح المحكمة
يبدأ إصلاح القضاء من إصلاح المحاكم أيضا، وهو ما يجعل إعادة توزيع الخريطة القضائية بالمغرب، ضرورة ملحة، بما يضمن التوازن بين المناطق القضائية داخل كل نفوذ ترابي. وقد حددت وزارة العدل، بناء على تشخيص الوضع الذي باشرته داخل أجل ستة أشهر من السنة الأولى لتعيين الراضي وزيرا للعدل، الحاجيات الأولية في إحداث 18 محكمة ابتدائية وأربع محاكم استئناف، بما يضمن توزيعها بشكل عادل وعقلاني.
التشخيص نفسه، وقف عند جملة من المشاكل التي يعانيها القطاع القضائي في المغرب، بينها ضعف الموارد البشرية، إذ أن المعدل وصل إلى 1000 ملف قضية لكل قاض في السنة، وهو رقم يتجاوز بكثير المعيار الدولي المحدد في 500 قضية لكل قاض، ينضاف إلى حجم الخصاص في القضاة (حوالي 3800 قاض و12 ألف موظف بالقطاع لأكثر من 30 مليون نسمة)، وتراكم الملفات المعروضة على القضاء في السنة، والتي تتجاوز، يضيف الراضي، مليون و160 ألف قضية، تصدر الأحكام في 79 في المائة منها لينضاف الباقي إلى ملفات السنة المقبلة، الأمر الذي ينعكس سلبا على سرعة وجودة الأحكام الصادرة.إن مسلسل إصلاح القضاء، طال مجالات جزئية بدأت منذ التسعينات، تمثلت في إحداث محاكم مختصة، إدارية تجارية وقضاء الأسرة، علاوة على تقوية نظام التفتيش القضائي، وصولا إلى الخطاب الملكي الأخير الذي أقر بضرورة إصلاح شامل للقضاء، عبر محاور تهم جوانب مختلفة من الإصلاح دون أن تنزع عن الملك صلاحياته.

إ.ح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق