fbpx
مقالات الرأي

كدروري سعيد: ايحاءات من وحي ذكرى الميلاد

و في ذكرى عيد مولدي ما بعد الخمسين، أعتقدُ أنّي تغيّرت … و بالتّمام، نضجت !

لكنّي حتما نضجتُ بشكل مختلف جدّا و أنا أعيشُ على قيدِ حياة شاحبة مُعتلّة تَبعثُ على الكفر ببؤس النّعم و بكلّ ما جرت به المقادير و تفضي إلى التشكيك حتّى في عدالة السّماء في تقسيم الأرزاق؛
نضجتُ على كلّ حال … ولم أعد أخشى تهديدا و لا تأنيباً و لا وعيدا و لا عقابا ولا عذابا و لا فناءً…، فكلّها تلوينات للمشاهد المُتنافرة من شريط عمري الشاحب و بينها جميعاً، خبايا عديدة لا زالت محجوبة في تجاويف الفؤاد.

نضجتُ …و لم أشأ العبور – بعدُ- إلى وضع الاتزان الروحي الذي سطّرت قوانينه عاداتنا القديمة و قوانيننا المُنهكة والكثير من شرائع السّماء، و كنت من اللاهية قلوبهم حينما تشابه عليّ المنافقون و صادقو السّرائر.

نضجتُ … و ثُبْتُ باكراً عن خطب المنابر، و لم ألتزم الشعائر المتجلّدة والترنيمات الفاترة المتكرّرة كهراء الحمقى بمداخل المدن و على أرصفة الشوارع، و لم أعرضُ عن لغو الحديث حينما ينتصر للمنسيّين و المغبونين و المعذّبين بين ظهرانينا، كما لم أستطب فخامة الجوامع المُقابلة لفظاعة بؤسنا و شقائنا نحن الأحياء الموتى فوق جحيم هذه الفجوة المُعتبرة وطناً.

نضجت لّمّا تشكّلت خيّاراتي، و حملتُ كمّاً ممزوجاً من الانفعالات و الأحاسيس؛ فلم أعد بتلك الطُيبة التي يعهدها منّي الأقربون، و لا بذلك السّوء الذي يحسبُه فيّ الحانقون، و لا بكل الوفاء الذي يتوهّمه المتخيلون، و لا بحسّ النّفاق الذي يُجامِل به المتملقون… فلست صلباً كفاية و لا قوياً و لا مُنتشياً و لا تعيساً و لا مؤمناً و لا أميناً … إنّما كنتُ منصهراً في قالب كخليط متآلف و غير متجانس، كالهجين الذي لم يفلح يوما في أن يكون سوياً بموازين الجماعة و لا أن يُصبح شيئا جيّدا بمقياسه الفردي.

نضجتُ…و تشكّلت مفاهيمي كثيرا، فاختبرتُ فنون الكتابة و مسك الريشة و ضبط الموسيقى، واختلقْت الكثير من الخزعبلات الفنية، النثرية منها والشعرية و التشكيلية والطربية بشكل مُبهرج و مُنمّق، لا حركية فيه و لا حياة، فوجدتُني أُبدع – في النّهاية –بذاءات سُريالية لم تَشْف غليلي بالمرة، سرعان ما عَدلتُ عنها جميعا بعد تواتُر إخفاقاتي و أنا موقنٌ بأنّي مبدعً فاشل.

نضجتُ … و أدركت مع الوقت – وبعد فوات الوقت- كم كنتُ مغفّلا حين راهنت على حياة الاستقرار داخل زنزانة النّكاح الشرعي و طوق الانجاب و دوامة القوامة الزّوجية … بتكراراتها المملّة و تردّداتها القاسية التي لا تختلفُ عن تعداد الخيبات الملزمة لحياتنا، و تناسيت –حينها- أنّي روحٌ حُرّة مُتمرّدة تعيشُ فوضى الحواس وهستيرية عشق الموج ونكهة المطر و رجفة الرّياح و سُكون القمر و سطوة العيون و اقتحام كلّ الخطوط المُلتبسة في متاهات المغامرة و الإثارة و التحرّر؛

نضجتُ … فنزعتُ هالة القداسة عن البشر والأشياء والفِكر، و اكتفيتُ، بالمقابل، بالإيمان بالمبادئ الكونية المشتركة التي أحسبُها –لوحدها-من أسمى درجات الورع والتقوى وأكمل صُور الفضيلة في دين الانسانية، حيث الالتزام بعدالة الخالق في معاملة المخلوق أهمّ من أحكام الطّهارة و ذِكْر السّنن والرّواتب، و حيث بناء الانسان على شعيرة الحبّ وبذل العطاء أوجب و أجدى من عمارة المساجد.

نضجتُ … وأدركت أن لا امرأة تستطيع تحمّل حماقاتي و عنادي و وِزْر اختياراتي المُتسرّعة و التي تكون – مع ذلك – أكثر صواباً، و صرتُ أحمل عبء نفس تميل إلى الانسحاب القسري بدل مرافقة القطيع و قبول أنصاف الحلول و التستّر وراء زيف الأوهام و الأكاذيب؛

و في النّهاية حينما نضجتُ …

أدركتُ أنّي لم أكن -في النهاية- لا زوجا مثاليا و لا أبا متميّزا و لا إنساناً صالحاً و لا حتّى كائناً افتراضيا مُؤنسا، فلا شيء من كلّ ذلك عاد مُهماً بقدر تلك الأشياء البسيطة التي تُؤنسني و تشغلني عن الجميع فيما يُشبه الأنانية المفرطة… على الأقل لعام آخر قبل النّبش مُجدّداً في أعماق الذّاكرة عن آخر تحديث لإنسانيتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى