افتتاحية

الأيادي النظيفة

المحاربة الحقيقية للفساد لا تأتي من الخطابات الرنانة التي يجهر بها السياسيون، في محاولة منهم لتلميع صورة أحزابهم، وإحكام السيطرة على عقول المواطنين، لغاية يعلم الجميع أنها تنتهي في صناديق الاقتراع، بل هي سلوك يغلب فيه الطبع على التطبع، ويشتغل ممارسوها في سرية ونكران ذات، ولا تهمهم العودة إلى المنصب، بالقدر الذي يهمهم ترك بصمة ورسالة للأجيال المقبلة.
سبب نزول هذه العبارات، الخبر الآتي من هيأة المحامين بالبيضاء، والذي نزل، الأربعاء الماضي، كالصاعقة على كل من كان، إلى الأمس القريب، يعتقد أنه فوق القانون، وأن سلطته ونفوذه لا يمكن أن يمسا بسوء. فالنقيب الشاب أشر على قرارات غاية في التخليق، وقطع الشك باليقين، فكان من بين ضحايا الشفافية والمساواة في تفعيل القانون، وليس تطبيقه فقط، أن شطب على محامية ومحام بوزن كبير، له تاريخ سياسي ونقابي، يشهد له الفاعلون في ألغام “السانديكا”، والمجربون في حروب الأحزاب ومكرها.
لسنا هنا لتقييم خطأ من نزل عليه القرار، كما أننا لسنا مؤهلين للحلول محل المحامين، لتوجيه الانتقاد إلى صواب القرار أو خطئه، ولكننا نقف فقط وقفة المتأمل لحجم انعكاسات قرار التشطيب على محام عد من كبار محامي المدينة المليونية، وصيته الذي عاصر أكثر من ثلاثة أجيال، كما أننا نقف وقفة أخرى لنتأمل النقيب الشاب، الذي يمكن أن ندرجه ضمن تلاميذ من نزل عليه القرار التأديبي، ولو أن الصورة معكوسة إلا أنها تحمل دلالات كبيرة، تدفعنا إلى الإيمان بأن من بين من يتحمل المسؤولية من شبابنا من هم أقدر بالمسؤولية وشجاعتهم لا تساوم ولا تلين أمام التأثيرات.
المحاماة مهنة العظماء، وقيل عنها إنها أمل السجين في سجنه، ومرجع الخائف على حقه وحياته وماله، ورسول الطمأنينة واليد القوية التي تمتد للمظلوم اليائس فتنتشله من يأسه، وهي الرحمة والخبرة والتضحية، وغيرها كثير مما أرخه المؤرخون ووقف عليه المجربون، لكن أن تتحول هذه اليد الممدودة إلى النقيض، وتدوس على تقاليدها وأعرافها، وتخون الودائع، وتتلاعب باليائس، وتزكي الظالم على المظلوم، فتلكم مصيبة أحيقت بأصحاب البذل السوداء، ومست أعرق مهنة وأنبلها.
لا نعمم، فقلة قليلة جدا من تخالف القسم، معدودة على رؤوس الأصابع، لكن خطورتها تكمن في أن تداعياتها تصيب الجسم كله، بل وتسود معها هواجس الخوف والارتياب، فسلوك سلبي لمحام واحد يضر بالجميع، إذ لا يقبل العقل أن يخالف مرتد للبذلة، مؤد للقسم، أعراف وتقاليد حماية القانون والدفاع عن المظلومين، وينطبق على ذلك القول السديد للرسول الكريم، حين قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
إننا على يقين أن الدرس سيستفيد منه الجميع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق