افتتاحية

الإمبراطور

وضع عمدة البيضاء مفاتيح المدينة في يد رجل “تقنقراطي” واحد اسمه إدريس مولاي رشيد، “يفكر” ويخطط وينفذ ويقرر في “رغبات” ملايين المواطنين ويضبط إيقاع أولوياتهم وانتظاراتهم واحتياجاتهم، ويتصرف في ميزانية ضخمة تضاهي ميزانيات خمس وزارات صغيرة.
على الأوراق، يدير مولاي رشيد شركة تجارية مساهمة مؤسسة في إطار القانون رقم 95-17، المتعلق بالشركات المساهمة الصادر في 1996، أي شركة مثلها مثل جميع آلاف الشركات الموجودة في المغرب، لها الغرض والهدف نفساهما من التأسيس ومجال العمل والرغبة في تحقيق أرباح.
لكن في الواقع يرأس هذا المسؤول أكبر “إمبراطورية” مالية بالعاصمة الاقتصادية تستفيد، على نحو حصري وانفرادي، من جميع الصفقات العمومية والعروض الخاصة بالمشاريع المهيكلة الكبرى ممولة بملايين الدراهم.
لهذا، لم يكن مستغربا اللهجة “المتعالية” التي تحدث بها المدير العام الخميس الماضي، خلال أول اجتماع له مع لجنة تابعة للجماعة الحضرية، عقد بعد عشر سنوات من تأسيس الشركة، وبعد أربع سنوات من تحمله المسؤولية بها، حين نُفض الغبار عنه من جديد، بعد إبعاده الغامض من إدارة المركز الجهوي للاستثمار بوجدة من قبل محمد امهيدية، الوالي السابق!!
وقرر المسؤول نفسه، خلال الاجتماع، أن يصعد قمة جبل ويصيح بأعلى صوته “أنا الدار البيضاء”، وهي مقولة تشبه إلى حد كبير ما نقل عن أحد الخارجين عن القانون في صعيد مصر في تسعينات القرن الماضي، حين كان يخطط للاستيلاء على جزيرة، مرددا “من النهارده ما فيش حكومة، أنا الحكومة” (القصة تحولت إلى فيلم مثل بطولته أحمد السقا).
والأخطر، أن المدير العام لشركة “البيضاء للتهيئة” اعترف في اللقاء نفسه بأن شركته لا تندرج ضمن شركات التنمية المحلية المنصوص على تأسيسها وشروطها واختصاصاتها وأهدافها ومجالات اشتغالها في مواد محددة من القانون التنظيمي للجماعات المحلية.
ويشكل هذا الاعتراف وحده، إدانة لجميع مسؤولي المدينة الذين يسمحون لأنفسهم بوضع جميع مشاريعها وبرامجها وأموالها (دون محاسبة) في عهدة “شركة تجارية” الغرض من تأسيسها في 2008 تنفيذ المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير دون زيادة أو نقصان.
وبالتدريج، “تغولت” هذه الشركة، وتحولت إلى الآمر والناهي بمجموع جهة البيضاء-سطات، وتتحكم في ثلثي استثمارات مخطط التنمية، أي حوالي 2220 مليار سنتيم، وتقرر في نوعية المشاريع والأوراش والبرامج، دون حاجة إلى العودة إلى ممثلي السكان في المدينة، خصوصا أعضاء المكتب المـسير الذين يجدون أنفسهم في حل من أي محاسبة.
فانتخابيا، يعتبر الوضع جد مريح بالنسبة إلى رئيس أكبر جماعة حضرية بالمغرب، يقطنها خمسة ملايين مواطن وتستحوذ على الحصة الكبرى من استثمارات الدولة، وتحظى بعناية “خاصة”، بعد أن خصها الملك بفقرات في خطاب سابق لافتتاح البرلمان.
لكن سياسيا، يطرح انسحاب العدالة والتنمية إشكالا كبيرا يتعلق بجدوى الديمقراطية المحلية المرتبطة بوجود برنامج انتخابي وتحمل مسؤولية مقترنة بمبدأ المحاسبة “الشعبية” في نهاية الولاية..
ليطرح السؤال منذ الآن: من سيحاسب البيضاويون في انتخابات 2021 الجماعية، هل فريق “المصباح”، أم مهندسي وأطر إدريس مولاي رشيد؟
وغدا لنا موعد…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق