fbpx
خاص

ابن امسيك … اختلالات التدبير

تفردت بين مقاطعات البيضاء بغياب مركز للتكوين المهني وسوق نموذجي وإغلاق مرافق حيوية في وجه السكان

تعتبر مقاطعة ابن مسيك من أهم المقاطعات في البيضاء، بالنظر إلى ما حظيت به خلال السنتين الماضيتين من اهتمام ملكي، تمثل في سلسلة تدشينات نوعية، ما حقق لها إقلاعا تحسد عليه. أوراش مفتوحة هنا وهناك، تهم مشاريع ذات طابع اجتماعي وبيئي وفني، بعضها رأى النور، والبعض الآخر ما زال حبيس التصاميم الهندسية. يتعلق الأمر بظاهرة غريبة في هذه المقاطعة، التي تتوفر على مرافق جاهزة، إلا أنها مغلقة في وجه العموم، فيما السكان تائهون يبحثون عن الاستفادة منها في مقاطعات مجاورة.

قاعات رياضية وحدائق موصدة الأبواب، عوضت “كاريانات” تاريخية في المنطقة، مثل “كاريان ابن مسيك”، وفتحت عصر ما بعد الصفيح في المقاطعة، بنمط تدبير يفتقر لرؤية إستراتيجية بعيدة المدى.
إنجاز: بدر الدين عتيقي – تصوير: (أحمد جرفي)

يجهل الكثيرون حقيقة وثقتها قواعد بيانات المندوبية السامية للتخطيط، تفيد تراجع عدد سكان مقاطعة ابن امسيك، بخلاف ما يشاع حول كثافتها السكانية الكبيرة، بين الإحصاءين العامين المنجزين في 2004 و2014.

يتعلق الأمر بانخفاض عدد السكان من 163 ألفا و52 نسمة (31 ألفا و942 أسرة)، إلى 131 ألفا و883 نسمة (30 ألفا و519 أسرة) خلال 10 سنوات فقط، الأمر الذي لم يستغل من قبل القائمين على تدبير الشأن المحلي، من خلال التصرف في الموارد بشكل معقلن، وتحقيق مكاسب على مستوى البنيات التحتية والخدمات الأساسية، ذلك أن واقع الأمر يتحدث عن خلاف ذلك، فالمقاطعة التي توجت قبل حوالي ثلاث سنوات بلقب “أحسن مقاطعة”، تتوفر على مستشفى إقليمي وحيد، متمركز في المنطقة المعروفة بـ”حمام الفن”، يحاصره سوق للخضر والفواكه، ويفتقر للتجهيزات والأطر الطبية اللازمة، إذ تتم إحالة 70 % من الحالات الواردة إليه على مستشفى سيدي عثمان القريب، وفق ما أكده مصدر طبي.

تدبير الولاءات السياسية

تمتد مساحة مقاطعة ابن امسيك على 3.11 كيلومترات مربعة، وتحدها شمالا الطريق الإقليمية 35، وغربا شارعا محمد السادس، فيما يطوقها شرقا وجنوبا، شارعا الجولان وإدريس الحارثي. هذه الإحداثيات وضعت المقاطعة في موقع استراتيجي بالبيضاء، فهي صلة وصل بين مناطق سكنية وتجارية عذراء وقلب المدينة النابض، إلا أن هذا الامتياز لم يتم استغلاله بشكل جيد، من خلال إحداث مشاريع وأنشطة محدثة لمناصب الشغل، خصوصا أن نسبة البطالة في مستويات مرتفعة بالمنطقة، وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط.

وبالعودة إلى هذه الصورة من اختلالات التدبير في مقاطعة ابن امسيك، يتعين البحث في الخارطة السياسية التي تدبر الشأن العام، فمجلس المقاطعة الذي يضم 25 عضوا، يقوده حزب الاتحاد الدستوري (13 عضوا)، إذ يترأس المجلس محمد جودار، الذي لم يستجيب لطلب “الصباح” استقاء معطيات منه حول هذا الخاص عن المقاطعة منذ أسابيع، في الوقت الذي تنقسم المعارضة بين حزبي العدالة والتنمية (9 أعضاء) والتجمع الوطني للأحرار (3 أعضاء)، وهي الخارطة التي لم تتغير منذ سنوات طويلة، ما يعزز فرص الحفاظ على نمط تدبير مستقر واستشراف المستقبل برؤية موضوعية، إلا أن هذا الأمر لم يجد طريقه للتنفيذ، بسبب الانفراد بالتسيير، حسب تعبير فاعل جمعوي، مشددا على أن نظام التسيير قائم على الولاءات السياسية، إذ لا يتم تغليب المصلحة العامة في تدخلات تدبير الشأن المحلي.

مرافق مغلقة

لا يمكن لزائر مقاطعة ابن امسيك إلا أن يقف مندهشا أمام إغلاق مرافق رياضية وترفيهية جاهزة في وجه السكان، الذين لطالما اشتكوا من غيابها. يتعلق الأمر بأربع قاعات، اثنتان منها متركزتان في منطقة الغابة، فيما تنتظر قاعتان فتح أبوابهما في شارع واد زم بحي جوادي، علما أنها مخصصة كفضاءات لممارسة لعبة كرة القدم المصغرة، ورياضات أخرى تحت تصنيف “متعددة التخصصات”، إذ يتحدث فاعل جمعوي في هذا الباب عن افتتاح بعضها من قبل الملك محمد السادس في 2014، قبل أن يتم إغلاقها بعد 24 ساعة من حفل الافتتاح إلى اليوم.

ويعاني شباب مقاطعة ابن امسيك من إغلاق القاعات والفضاءات الرياضية، التي سلم بعضها إلى جمعيات موالية للرئيس من أجل تسييرها، قبل أن يتضح تلاعبها بتدبير هذه المرافق، وفرضها أسعارا عالية على استغلالها من قبل العموم، في الوقت الذي ما زالت أبواب “منتزه الوحدة الإفريقية ابن مسيك” موصدة ليلا ونهارا، تحت حراسة أفراد من القوات المساعدة، يربضون على مقربة من البوابة، لغاية منع تسلل المشردين إليها، وحمايتها من التخريب، بينما تعاني المقاطعة من نقص كبير في المساحات الخضراء، مقارنة مع عدد سكانها، باعتبار أنها الحديقة المهيكلة الوحيدة، التي تم إنجازها منذ سنوات بميزانية ضخمة.

مشاريع متعثرة

نالت مقاطعة ابن امسيك حصتها من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، من خلال مجموعة من المشاريع التي انطلقت خلال الولاية بين 2009 و2015. يتعلق الأمر بمشاريع متعثرة لم تر النور بعد منذ سنوات، على ٍرأسها “مسرح ابن مسيك” و”المسبح الأولمبي ابن مسيك” وغيرهما، بسبب غياب الانسجام بين السلطات الإقليمية والمنتخبين، إذ لا يمكن تحميل مجلس المقاطعة المسؤولية بالكامل عن تباطؤ وتيرة التنفيذ، إذا ما علمنا أن تمويلات المبادرة هنا، لا تتجاوز الدراسات والاستشارة فقط.

ويظل مجلس المقاطعة مطاردا بمجموعة من الانتقادات على مستوى ترتيب الأولويات في تدبير الشأن المحلي لمنطقة ابن مسيك، ذلك أنه بخصوص التعليم، فالمقاطعة احتلت الرتبة الأخيرة في نسبة النجاح المعلنة في الباكلوريا، وفق أرقام أكاديمية التربية والتكوين لجهة البيضاء- سطات، إضافة إلى عدم احتضانها لأي مركز للتكوين المهني بخلاف مقاطعات أخرى. والأمر ذاته بالنسبة إلى خدمات الصحة، ذلك أن المقاطعة تتوفر على مستشفى إقليمي وحيد، لا يتوفر على جهاز “سكانير”، ما يضطر السكان إلى البحث عن خدمات علاجية في مقاطعات أخرى. أما ملف التشغيل فلا يقل حرارة، باعتبار أن مقاطعة ابن مسيك تعتبر الوحيدة، التي لا تتوفر على سوق نموذجي في البيضاء، علما أنه تمت برمجة بناء سوق بكلفة ناهزت 800 مليون سنتيم منذ 2014، إلا أن هذا المشروع ما زال حبرا على ورق، وسقط من أجندات عمل اجتماعات مجلس المقاطعة المتوالية.

مشاكل أمنية

تعاني أحياء مقاطعة ابن مسيك، حسب فاعل جمعوي، من مشاكل أمنية مختلفة، بسبب ضعف الإنارة العمومية في مجموعة منها، وتنامي نقط ترويح الخمور والمخدرات، ذلك أن أحياء الحفرة والحسنية وجوادي وإفريقيا، وكذا حي المنصور والعثمانية، وجميلة 1 وقصر البحر، إضافة إلى درب السلامة والعظم والدوام، ودب فريحة وقرية الجماعة والقيسارية، تئن في صمت تحت وطاة تنامي الجريمة واستفحالها، بسبب خصاص في الموارد البشرية الذي تشكو منه النقط الأمنية الثلاث في المقاطعة.

وبالعودة إلى التقسيم الإداري للمقاطعة، فهي تتوزع بين 6 ملحقات إدارية، مقابل ثلاث دوائر أمنية، هي 21 و22 و23، أي دائرة لكل ملحقتين، ما يؤشر على خصاص مهم في خدمات الأمن، بالنظر إلى موقع المقاطعة، التي تعتبر ممرا مفضلا لتجارة المخدرات بين الضواحي ووسط المدينة، في الوقت الذي رفع السكان مجموعة من الشكايات حول هذا المشكل إلى السلطات المركزية، موازاة مع جمود مجلس المقاطعة، وعدم تقديمه لأي حلول في هذا الشأن.

مشروع موقوف التنفيذ

حجزت مقاطعة ابن امسيك مكانا لها في قائمة المشاريع موقوفة التنفيذ في البيضاء، من خلال مشروع “منطقة الأنشطة التجارية ابن امسيك”، الذي يندرج في إطار الإستراتيجية الجهوية للتنمية الإقليمية للبيضاء، إذ يمتد على مساحة خمسة هكتارات، بتكلفة إجمالية بلغت قيمتها 590 مليون درهم، إذ حدد له تاريخ يونيو 2015، إلا انه ظل حبيس أوراق المسؤولين، الذين أكدوا أكثر ما مرة، إنجاز 5 % منه، دون تحديد تاريخ انتهائه. ومن المفروض أن يتضمن المشروع محلات تجارية لعلامات محلية وعالمية، إلى جانب فضاءات للترفيه ومطاعم ومنصات خدمات، فيما خصصت مساحة عامة وصلت إلى تسعة هكترات لاحتضان ساحة كبيرة متعددة الوظائف، وسوق على مساحة 4000 متر مربع.

وكان الهدف من وراء مشروع “منطقة الأنشطة التجارية ابن امسيك” إنشاء فضاء عام، يتكون من مرافق عمومية (فضاء حضري متعدد الوظائف وسوق ومرافق رياضية)، إضافة إلى بناء منطقة مدمجة تجارية ومنصة خدمات، بما يعزز الدينامية الاقتصادية للمقاطعة ويرفع جاذبيتها الاستثمارية.

القضاء على “الكاريانات”

يحسب لمجلس مقاطعة ابن امسيك مساهمته الفعالة مع السلطات المحلية في القضاء على دور الصفيح “الكريانات”، إذ كانت المقاطعة تعتبر الأكثر احتضانا للدور القصديرية. وهدمت الجرافات قبل أشهر آخر “البراريك” في المنطقة، التي عاشت على وقع اضطرابات اجتماعية متكررة طيلة السنوات الماضية، بسبب عمليات إفراغ وترحيل السكان، الذين ما زال بعضهم متمسكين بمنازلهم الصفيحية.

وبلغة الأرقام، كانت عمالة مقاطعات ابن امسيك- سيدي عثمان، وفق التقسيم الترابي والإداري السابق، تضم أزيد من 12000 “براكة”، قبل أن تنخفض في 2011 إلى حدود 870 “براكة”. وانطلقت عملية محاربة دور الصفيح بهذه العمالة منذ الثمانينات من القرن الماضي، عندما كانت كل أسرة، مهما كان عدد أفرادها، تستفيد من شقة واحدة فقط. وفي أواخر 2011، ظهر برنامج جهوي لمكافحة دور الصفيح، استفادت بموجبه كل أسرة مقيمة بمنزل صفيحي من بقعة أرضية، عوض شقة جاهزة.

وفي هذا الصدد، خرج إلى الوجود مشروع “الفضل”، الذي استفاد منه ما تبقى من سكان دور الصفيح في ابن مسيك. فكان نصيب مقاطعة ابن امسيك 936 استفادة، أي 496 بقعة أرضية، بمعدل بقعة من 80 مترا مربعا لكل أسرتين. وفي بداية 2013، بدأت عملية توزيع الاستفادة على المعنيين بالأمر، قصد تهييء ملفاتهم.

وفي فبراير 2014، توصلت اللجنة الإقليمية لتنفيذ الإفراغ والترحيل بـ671 ملفا من طرف الراغبين في الاستفادة، من أصل 936 ملفا، أي بمعدل 77.36 %، وموازاة مع ذلك تم هدم 599 “براكة”، فيما بلغ ثمن كل بقعة أرضية 40 ألف درهم، تتوفر جميعها على رسم عقاري. ورغم ذلك، طفت على السطح بعض المشاكل والإكراهات، كادت أن تعرقل مسار محاربة دور الصفيح، ما دفع السلطة المحلية إلى توجيه اللجن المختصة إلى عقد ثلاثة اجتماعات في الأسبوع لاحتواء المشاكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى