fbpx
خاص

المسرح الكبير بالبيضاء … الاختبار الصعب

الناقد برشيد قال إن نجاحه أو فشله رهينان بوجود إرادة سياسية

رغم الهندسة المتميزة للمسرح الكبير بالبيضاء، وتخصيص أزيد من 75 مليارا لبنائه، يبقى السؤال مطروحا، هل سينجح هذا المسرح في بعث الثقافة والفن المغربيين بعد سنوات من الضياع، أم سيكون مصيره، مصير العديد من المسارح الكبرى، التي أنفقت عليها الملايير ودخلت في “عطالة فنية”.

يعود هذا التخوف للفراغ الكبير الذي يشهده المجال الفني، وعلى الخصوص المسرحي، إذ انقرضت بعض الفرق المسرحية الرائدة، وأخرى تحتضر، ليطرح السؤال، ماذا سيعرض على خشبات هذا المسرح الفخم؟

بالنسبة للناقد والمسرحي عبد الكريم برشيد، فإن هذا السؤال وجيه ومشروع، بل سبق أن طرحه عليه مسؤول، عندما خاطبه “ها هو المسرح وباش نعمروه”، لأن بناء مثل هذه المسارح الكبرى يتطلب وجود فرق مسرحية وأخرى للأوبرا والكورال قارة، تجعله يشتغل دون توقف.

وأكد برشيد، أن المسرح جميل جدا واجهة، وسيزين البيضاء، ولكن وظيفيا، يجب أن يطعم بمهرجانات سنوية ودورية تشارك فيه فرق فنية دولية ومحلية، مع ضرورة فتح ورشات للتكوين أو مدرسة للفنون الدرامية، ومعهد موسيقي وورشات للتشكيل والنحت، المهم، يؤكد برشيد، يجب أن تكون فيه خلايا فنية حية.

وشدد الناقد المسرحي على أن المسرح الكبير لا يجب أن ينظر إليه على أنه فضاء فقط من أجل العروض المسرحية والفنية، بل أيضا مكان للإنتاج المسرحي، كما كان الأمر للمسرح البلدي أيام الراحل الطيب الصديقي، الذي أنتج مسرحيات ظلت خالدة إلى اليوم.

ونبه برشيد إلى نقطة ما زالت تثير الجدل، وهي الجهة التي ستشرف على تسييره، إذ تساءل هل سيفوت لشركة أم سيكون له مجلس إدارة تابع لعدة وزارات، أم يشرف عليه ممثلون وفنانون من جميع القطاعات؟، مبرزا أهمية هذه النقطة، وذلك لتفادي الأخطاء التي ارتكبت في السابق، وإسناد تسييره لمن له دراية بهذا المجال، لتفادي ما حدث لعدد من الجماعات بالبيضاء، التي بنت مسارح بمبالغ كبيرة وبهندسة متميزة، لكنها ظلت خارج الخدمة.

ويرى الناقد المسرحي أن مسرح البيضاء الكبير، يجب أن يستحق هذا الاسم، عبر إعادة أمجاد المسرح البلدي المأسوف عليه، والذي كان حسب قوله، منارة ثقافية واستضاف كبار الفنانين في العالم والمشرق العربي من قبيل صباح فخري والفكاهي الراحل إسماعيل ياسين، كما ساهمت الإنتاجات المسرحية للراحل الطيب الصديقي، في بناء حقبة ذهبية،  أنتجت كبار الممثلين والمسرحيين بالمغرب، وساهم في ظهور مجموعات غنائية خالدة، على رأسها ناس الغيوان وجيل جيلالة.

وبحكم الظرفية الحالية التي يشهدها الوضع الثقافي المغربي، الذي يشهد ركودا غير مسبوق، يرى المسرحي برشيد أن إعادة التوهج للمجال الثقافي والفني، متوقف على وجود إرادة سياسية، لأن المغاربة مبدعون، والدليل أنهم يحتلون رتبا متقدمة في مسابقات موسيقية وفنية على القنوات العالمية، وبالتالي على السلطة السياسية استثمار هذا الأمر، عبر برامج ثقافية وإبداعية، وإدخال الثقافة في إطار المنظومات السياحية والتجارية للبيضاء، لأن هذه المدينة ليست فقط “التوين” و”عين الذئاب”،  بل يجب أن تكون مركزا ثقافيا على غرار باريس، حيث تتنوع فيها المسارح والمتاحف، مع اقتناع مسؤوليها أن الثقافة لا تقل أهمية عن المجال الصناعي.

وبخصوص عزوف المواطنين عن حضور العروض المسرحية ودور السينما، شدد الباحث على أن الجمهور يسهل تطبيعه على الفن، إذ في السابق كان الجميع يتوجه لمشاهدة العروض المسرحية في حافلات مهترئة، أما الآن فوسائل النقل تطورت،  مبرزا أن لفضاء المسرح رهبة خاصة، فهو كبير وأنيق وتحكمه ضوابط قانونية تتدخل حتى في طريقة اللباس، بصيغة أخرى هناك أدبيات خاصة بالمسرح، كانت شائعة خلال فترة المسرح البلدي وعمت أغلب القاعات السينمائية بالمغرب، لهذا يؤكد الباحث برشيد أن المسرح إذا استغل بشكل إيجابي، سنضمن جمهورا خاصا ونخبويا ومتميزا.

ودعا الناقد إلى إبعاد السياسة عن الفن لتفادي تعرض المسرح الكبير لمصير العديد من المسارح الكبرى بالمغرب، إذ عزا فشلها إلى التطاحنات الحزبية، رغم أن الفن لا علاقة له بالسياسية، ولا يمكن لأحد القول إن فن حزب معين أفضل من الآخر، لهذا لا يرى برشيد ضرورة التدخل لقطع أي تجاذبات سياسة قد تسيء للمسرح الكبير، لأنه بني وفق تصورات ورؤى أعمق، وبالتالي لا يجب أن يتأثر بالصراعات السياسية، التي تسببت حتى في عدم الاتفاق على وضع اسم له، خاتما حديثه مخاطبا المسؤولين :” ارحمونا  يرحمكم الله واتركوا الأشياء الجميلة تكمل خطها ومسارها الجميل”.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى