fbpx
مقالات الرأي

ضرب الأطفال: هاته الجريمة ضد معوق

تصادفت، حديثا، مع فيديو على “اليوتوب”، في موضوع التربية الإيجابية، بين أخصائية وإعلامي فرنسيان، تجيب فيه الأولى عن سؤال هذا الأخير حول الصعوبة التي يواجهها الآباء في عدم اللجوء إلى الضرب على الدوام..
– نعم صحيح.. إن الأمر صعب على الآباء.. أن يتجنبوا ضرب أطفالهم بشكل دائم..
بلابلا.. بلابلا..

لغة الخشب هاته، في نظري، تخفي كما كبيرا من الوقاحة والنفاق، في اثنين من نخبة شعب يفترض فيه أن يكون رمزا من رموز حقوق الإنسان في تاريخ البشرية. (1)
أقول شعب لأن حالة شخوص الفيديو سالف الذكر ليست استثناء. فلطالما سمعت في الأوساط التربوية الفرنسية بتبريرات تصب كلها في هذه الفكرة الغريبة: تفادي تحسيس الآباء بالذنب.. عدم إحراجهم.. تفادي التسبب لهم في وضعيات غير مريحة..

مساكين، أولئك الآباء رهيفوا الإحساس.. سيتألمون كثيرا إذا تم تنبيههم إلى جريمة لا يؤدون عنها ولو حتى غرامه، في الوقت الذي نرى طبيعيا أن نغرمهم لعدم وضعهم حزام السلامة أثناء السياقة، مثلا.
أن تقصر (فقط تقصر) في حماية نفسك (حزام السلامة) من ضرر محتمل (و ليس حتمي الحدوث) ، فهي جريمة، لكن ان تلحق ضررا مباشرا، عمدا، بكائن أعزل، فهي ليست جريمة، او علينا ان لا نعتبرها كذلك. هل ترون أي منطق في هذا؟
شخصيا، المنطق الوحيد الذي يتبادر الى ذهني بشكل طبيعي هو التالي:
ليس للطفل قوة الدفاع عن نفسه، بينما لشركات التأمين كل القوة للدفاع عن مصالحها.

ولهذا “المربي” المرهف الإحساس، أود أن اطرح الأسئلة التالية:
ماذا لو أنه، في مجال اختلاف الرأي، لم تعجبني وجهه نظرك، فرميت في وجهك ببعض بيض أو طماطم،كما يفعل أي مواطن في بلد ديمقراطي تجاه رجل السياسة في بلده؟
ستعتبرها درجة حضارية في تصريف العنف، لكن ليست الأمثل. إنها فقط درجة في الحضارة. وستؤلمك بنسبة ما. لان الأمثل أن أناقش وجهه نظرك، وأبدي خلافي معها من دون أي مظهر من مظاهر العنف.
وفي المطلق، و في حالة ما إذا كنت متوفرا على درجة عالية من التعاطف المعرفي (أو التقمص العاطفي المعرفي Empathie cognitive)، لكنت تفهمت وجهة نظرك، واكتفيت بالتعبير عن وجهة نظري، من دون مجادلتك.
ولكن، في حالة ما أنى عبرت عن اختلافي معك بشتمك مثلا، ستعتبرني متخلفا، وستتأفف عن الرد علي، لأنك أكثر تحضرا مني بقليل، أو هكذا ستود أن تبدو، كأي رجل مهذب(2).
وفي كل الحالات، سيترك ذلك في نفسك أثرا سيئا.

والان، في درجة أعلى، على سلم العنف في إدارة الخلاف، ماذا لو أرسلت حذائي، أو قبضة يدي، في اتجاهك، لأنك لم تعجبني، تماما.
ستقاضيني لا محالة، لأن في الأمر ضرب واهانة.
وربما كانت قبضة يدي قوية لدرجة خلفت لديك كدمة ظاهرة، أو عاهة غير مستديمة، فإن القاضي قد يحكم على شخصي بالحبس أو الغرامة، أو كلاهما معا.
وفي كل الحالات، سيتوجب علي جبر الأضرار النفسية والمادية التي تسببت فيها لك، لأن الأمر باختصار، جريمة.
والآن، تخيل معي المشهد التالي: في كل الحالات السابقة التي تعرضت فيها لشكل من أشكال العنف، سواء المادي أو المعنوي، والذي بالضرورة أساء إليك بدرجة ما، نفسيا أو جسديا أو كلاهما، ماذا لو، في كل تلك الحالات، كنت جالسا على كرسي متحرك، أو مكفوفا، أي ببساطة، تعاني من إعاقة؟
بالتأكيد أن درجة الألم والإحساس بالظلم والقهر ستتضاعف في داخلك، والكل من حولك سينتفض معتبرا ذلك فعلا شنيعا، وجريمة بشعة تستحق أقصى العقوبات.
إنها فعلا كذلك.

وعلى الذين يمارسونها أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة التالية:
ماذا لو أن أحدهم ضربني لأني لم أفعل ما يطلبه مني، أو لم افعله كفاية، أو أني فعلت عكسه، أي أنى لم أجب على انتظارا ته بما يجب أن أكون عليه من تصرف. هل من حقه أن يضربني؟
ماذا لو أن مشغلي طلب مني عملا ولم أنجزه في وقته، أو أنجزته على وجه لم يرضيه، أو أنجزته من وجهه نظري، ولم يكن له نفس وجهة النظر، هل من حقه أن يضربني؟
ماذا لو أن حكومتي اعتبرت أن ما اعبر عنه أو أقوله علانية لا يروقها، فتقرر أن تقمعني؟
ستنتفض بالتأكيد ضد كل مظاهر الحيف هاته، وستصنفها، على الأقل، في خانة الشطط في استعمال السلطة.
وأنت هنا محق، لأن الأمر هو، في آخر المطاف، علاقة سلطة. سلطة بين المربي والطفل. بين المشغل وشغيله. بين الدولة ومواطنيها.
وحتى لا يكون هناك حيف في استعمال السلطة، طورنا، كجنس بشري، آليات متناسبة مع درجة تحضرنا: ديمقراطية، حقوق، قوانين.. الخ، مكنتنا، بشكل متدرج في الزمن، ومتفاوت من بقعة جغرافية لأخرى، من محو مظاهر الحيف التي تنتجها بالضرورة علاقة سلطة غير عادلة، سواء بين الأشخاص كأفراد ذاتيين فيما بينهم، او بينهم وبين أشخاص معنويين كالمؤسسات الاقتصادية (شركات مثلا..) او السياسية (حكومات.. الخ)

لكن لماذا سلطة المربي هي الوحيدة التي مازالت تخول لنفسها حق استعمال العنف المادي، أحيانا كثيرة، والمعنوي بشكل شامل و ممنهج، في تسعين في المائة في بقع الارض، بدل الحوار في علاقتها مع الطرف الأضعف في علاقة السلطة هاته؟
إن أول وصف من المفترض أن يطفو من على شباك منظومتنا الأخلاقية كشاهدين على عملية لجوء الكبار إلى استعمال القوة العضلية في إبلاغ انتظاراتهم للصغار (الأقل قوة عضلية)، هو وصف غير مشرف للغاية: الجبن.

نعم هو كذلك، بما أن هؤلاء الأقوياء عضليا يفكرون مليا قبل استعمال نفس الأسلوب العضلي مع الأنداد من الكبار مثلهم.
وليس علينا هنا أن نراعي النفسية الحساسة للمربين، فنتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها.
وهل كان علينا أن نراعي النفسية الحساسة لمالكي العبيد في تاريخ الإنسانية؟
وهل على القاضي، في أيامنا، أن يراعي النفسية الحساسة للأزواج المعنفين لزوجاتهم؟ للقتلة، والمغتصبين؟
إن الطفل ليس فقط فاقد لقدرات وقوة جلاده، وإنما أكثر من هذا، يعاني من إعاقة جسدية مهولة: على مستوى كل أعضائه إلى غاية السادسة عشرة سنة على الأقل، من جهة، وعلى مستوى نمو عقله الغير مكتمل إلى غاية الست سنوات، خاصة، وهو الأهم، من جهة أخرى.

كيف ذلك؟
إننا نردد جملا عديدة من مثل أن الطفل قاصر. سن النضج العقلي للطفل هو سبع سنوات. الخ.(3)
وهي حقائق استنبطناها خصوصا من ملاحظاتنا اليومية للأطفال، قبل ان تؤكدها معارفنا العلمية المعاصرة ذات العلاقة بالطفل، معارف القرن العشرين على الخصوص.
لكن علوم القرن الواحد والعشرين، خصوصا منها علوم الأعصاب التربوية، تزودنا بمعارف جديدة من المفترض ان تشكل ثورة في وعينا التربوي، وتغير جذريا نظرتنا الى الطفولة بشكل عام.
وأهم شيء في هاته الاكتشافات الجديدة هو عدم امتلاك الطفل الذي يقل عمره عن ست سنوات لوظائف عضو أساسي يمتلكه الراشد بشكل مكتمل النمو، وهو الجزء من الدماغ المسمى قشرة الفص الجبهي الأمامي، او Cortex préfrontal

هذا الجزء من الدماغ هو المسؤول، عند اكتمال نموه، عن وظائف التفكير، والتحليل، واتخاذ القرار، والتحكم في الانفعالات، والسيطرة على الميولات الغرائزية.
وهو، وإن ازداد مع الطفل، فانه لن يصبح وظيفيا إلا ما بين الخامسة والسابعة من عمره.
تماما كما سيقاننا مثلا، تزداد معنا، لكن لا يمكننا استعمالها إلا بعد حوالي السنة من ولادتنا. أي بعد ان تكمل نموها وتصبح وظيفية. قبل ذلك، لا أحد ينتظر منا أن نمشي على رجلينا وعمرنا ستة أشهر.
الفرق بين الحالتين، اننا نعلم، بالملاحظة والاستنتاج، ان ساقي الطفل هي المسؤولة عن وظيفة المشي.
ولما عمر الرضيع ستة أشهر، نتفهم بشكل بديهي ان ساقيه غير قوية كفاية لحمل جسمه والمشي به خطوات. كذلك نعلم يقينا انه حالما يحين الوقت، سيحبو الطفل، ثم سيقف، وبعدها سيمشي على قدميه.
لكننا في حالة قشرة الفص الجبهي الامامي، بسبب كونه مخبأ وراء جبهتنا، واذن غير مرئي لحواسنا، فإننا لم نراكم الخبرات الضرورية لإنتاج معلومات حول وظيفته، وخصوصا: متى يبدا في الاشتغال، وما هو إيقاع تطوره.
وقد بقينا على هذا الحال على مدى كل تاريخ الانسانية.

الى ان مكننا تطور العلوم الحديثة، وعلى راسها العلوم العصبية المعتمدة على تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (4)، من ملاحظة ما يجري في دماغ الانسان الراشد وهو في حالة اشتغال، ومقارنته بدماغ الطفل، واستخلاص معارف جديدة، من اهمها عدم بدأ اشتغال عقل هذا الاخير قبل سنه الخامسة الى السابعة. (5)
إن عدم اكتمال نمو عقل الطفل هو الذي يجعله شخصا معوقا بكل مقاييس الإعاقة، حيث انه محروم من قدرات الراشد الذي يستطيع، بسبب كون عقله مكتمل النمو تحديدا، أن يفكر، ويحلل، ويقرر، ويتحكم في انفعالاته، بينما الطفل لا يمكنه كل ذلك.

السنا نعطي حق الأسبقية للمعوقين؟ الطفل أحد المعوقين الأساسيين في المجتمع.
جزء أساسي من دماغه لم يكمل نموه بعد، وهو محروم منه تماما. كالمحروم من النظر أو المشي.
وعوض أن نعيره عقلنا، فنساعده في نوباته الانفعالية التي لا يتحكم فيها، وتتسبب له، أكثر من ذلك، في ألم عدم قدرته على فهمها، وتصريفها بطريقة الكبار، أو نتفهم تصرفاته الغير ملائمة لانتظاراتنا على أنها نتيجة، تحديدا، لنقص في مهارات فسيولوجية واجتماعية طبيعية ناتجة عن حداثة سنه، وبالتالي إعاقته العقلية التي يؤكدها المختصون في علوم الأعصاب الحديثة..

عوض أن نفعل ذلك، كما نفعل مع أي كفيف يريد عبور الطريق، نمده يدنا، ونعيره بصرنا، كي يصل بأمان إلى الرصيف المقابل، فإننا حافظنا على هراوة الرجل البدائي الذي كنا عليه منذ آلاف السنين، أمام صغارنا، نهوي بها على هشاشتهم، وضعفهم، ورهافة روحهم، فندمرها تدميرا.
ولا تهتز مشاعرنا حتى، أمام مشهد آلامهم، وبكائهم، وأحاسيس الذل، والمهانة، والانكسار، التي تختلج في صدورهم، فتملأ قلوبهم الصغيرة خيبة أمل، فيمن يفترض فيهم أن يحبونهم، ويحمونهم، ويوفرون الأمن والأمان لهم.

فيمن يفترض أن يكونوا ملجأهم الأخير، ومأواهم، وحضن مخاوفهم، وقلقهم، وضيقهم، ومطاردي أشباحهم.
إنها كذلك جريمة من دون ظروف التخفيف لأن آثارها ليست محدودة في الكائن الذي مورست ضده، بل إنها تتجاوزه للجيل، وربما للأجيال التي تأتي من بعده، بسبب خاصية التوالد والاستنساخ التي تنتجها بشكل منهجي، تقريبا، في الضحية التي، بدورها، تمارسه مستقبلا على الأطفال، والنساء، وكل الذين هم أقل سلطة وقوة، بشكل عام، في عملية لتصدير العنف من جيل لآخر.
كيف لطفل أن يتعلم طريقا آخر لحل، وإدارة الخلاف، غير طريق العنف الذي مورس عليه وهو صغير، كلما لم تتناسب تصرفاته مع انتظارات من يملكون السلطة عليه؟
كيف سيصبح ديمقراطيا وهو لم يرى حوله غير مظاهر الدكتاتورية في كل تجليات ظلمها وقسوتها، ممن هم القدوة الوحيدة، والمثال الأول الذي تفتحت عليه عيناه؟
***
إن صحوة تربوية أصبحت ضرورة ملحة لإيقاف عجلة تصدير العنف والرداءة للأجيال القادمة.
وخطوتها الأولى: أن نتوقف عن سوء معاملة أطفالنا، إ ن كنا حريصين أن لا يلتحقوا، غدا، وهم رجال، بملايين المشوهين نفسيا، والمعطوبين عقليا، بسبب جريمة العنف في حقهم الآن، وهم صغار.
إن الحقيقة التي أصبحت محل إجماع كل خبراء علوم الأعصاب التربوية في العشر سنوات الأخيرة، هي التالية:
وحدها طفولة سعيدة، خالية من العنف المادي والمعنوي، مليئة بالكثير من الحب اللامشروط، والتقدير، والتواصل الايجابي، الى غاية سن السادسة على الأقل، يمكنها أن تتيح لدماغ الطفل ظروف نمو مثالية، وبالتالي قدرات عقلية فوق المتوسط. (6)

هوامش:

  1. إذا استحضرنا واقع الامية التربوية المتفشية في مجتمعنا، والسقف المتواضع الذي يتيحه الموديل الفرنسي لنخبتنا الفرنكوفونية في مجال البدائل التربوية الممكنة، فسيكون مشروعا ان ننتفض امام هكذا أفكار متجاوزة في الكثير من الدول التي أنجزت صحوتها التربوية بنجاح، وليس من ضمنها فرنسا، التي ما زال المجتمع الحقوقي داخلها يطالب، الى غاية كتابة هاته السطور (غشت 2018)، بسن قانون يمنع العنف التربوي المادي والمعنوي ضد الاطفال.
  2. استثني المرأة عمدا في هذا المقال، لأنها حتما ليست رمزا للعنف، بل هي، بالأحرى، احدى ضحاياه، وفي كثير من الحالات، كانت هي “الشاهد المنقذ”، حسب تعبير عالمة النفس “اليس ميلر”، الذي اتاح لكثير من الأطفال المعنفين فرصةعدم إعادة إنتاج العنف وهم راشدين.
  3. تنص ديباجة الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الصادرة في 20 نوفمبر 1989 على أنه، بسبب “عدم النضج البدني والفكري” الخاص به، يحتاج الطفل إلى “حماية ورعاية خاصة، بما في ذلك الحماية القانونية المناسبة”.
  4. L’imagerie par résonance magnétique fonctionnelle (IRMf)
  5. أنظر «كاترين جيجين” Dr. Catherine Gueguen : Vivre heureux avec son enfant, Editeur : Robert Laffont, février 2014.
  6. انظر، على سبيل المثال لا الحصر، أعمال عالم النفس العصبي «ألان شور” http://www.allanschore.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق