fbpx
خاص

جحيم العودة

طوابير السيارات تجاوزت 10 كيلومترات ومغاربة العالم غاضبون ومسؤولون يعلقون المشكل على التذاكر

شهدت جميع نقاط العبور البحرية والبرية بشمال المملكة، خلال الأسبوع الأخير، وضعا استثنائيا بسبب التدفق غير المسبوق عليها من قبل أفراد الجالية المغربية العائدين إلى بلدان إقامتهم، خاصة بميناء طنجة المتوسط، الذي سجل أرقاما قياسية على مستوى حركة المسافرين، بلغت ذروتها يومي الأربعاء والخميس الماضيين، حين عبر في يوم واحد أزيد من 53 ألف مسافر على متن 10 آلاف سيارة نحو الموانئ الأوربية.

إعداد: المختار الرمشي (طنجة) – تصوير: (آيت الرموش)

شهد ميناء طنجة المدينة إقبالا كبيرا لآلاف المسافرين الذين فضلوا العبور نحو الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق عبر هذه المحطة البحرية، لوجودها وسط المدينة وقربها من ميناء طريفة بجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية (35 دقيقة)، وهو ما أدى إلى ازدحام شديد وحالة من الاختناق والشلل لم يشهدهما الميناء من قبل، بسبب الاقتصار على شركتين تتوفران فقط على أربع عبارات سريعة من الحجم الصغير، لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية أكثر من 400 سيارة في الأقصى، ما أدى إلى تكدس أعداد غفيرة من المسافرين، الذين فرض عليهم الانتظار لمدة وصلت في بعض الأحيان إلى أزيد من 24 ساعة.

حالة عامة
في ظل التدفق الهائل والازدحام القوي، شهدت كل الموانئ والنقط الحدودية، بما فيها ميناء الناظور ومعبر باب سبتة، احتجاجات عارمة لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، سيما المسنين والأسر المرفوقة بالأطفال الصغار، الذين ظلوا لساعات طوال تحت أشعة الشمس الحارقة من أجل إدراك دورهم في الإبحار، بسبب صعوبة الوصول إلى رصيف الميناء، ما حول نهاية عطلتهم إلى “مأساة وجحيم كبير”، وفق ما ذكره أحد أفراد الجالية المغربية الغاضبين.

وخلف الغياب التام للجهات المسؤولية عن عملية العبور “مرحبا 2018″، التي انطلقت في 5 يونيو الماضي وتتواصل إلى غاية 15 من شتنبر الجاري، غضبا عارما لدى أفراد الجالية المغربية، إذ سجل غياب مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي أوكلت إليها مهمة التكفل بعودة المهاجرين، واكتفت هذه السنة بالوجود بنقط معينة داخل الميناء، وغضت الطرف عن الآلاف ممن اضطروا إلى النوم رفقة أطفالهم في الخلاء، بعد أن انقطعت حركة المرور لساعات طوال، ولجؤوا أثناءها إلى قضاء حاجتهم على جنبات الطرقات والأراضي العارية بالمنطقة.

طوابير العودة
على طول أزيد من 10 كيلومترات من الطريق السيار المؤدي إلى الميناء المتوسطي، تكدست آلاف من السيارات التي مر أصحابها بظروف سيئة للغاية، وهم ينتظرون دورهم في الوصول إلى أرضية الميناء من أجل الإبحار، حيث ظل أغلبهم سجناء داخل سياراتهم تحت حرارة مفرطة لأزيد من 24 ساعة، دون أن تتوفر لديهم أبسط الخدمات الضرورية، كبنيات الاستقبال والمرافق الصحية العمومية وأماكن الاستراحة والمساعدة الطبية والاجتماعية… وهو ما حول رحلتهم إلى معاناة حقيقية لم يجدوا وسيلة للتعبير عنها سوى بإطلاق العنان لمنبهات سياراتهم بين الفينة والأخرى.

كما انعكس هذا الوضع المزري سلبا على سائقي سيارات الأجرة ونقل العمال، وكذا عدد من الشاحنات المحملة بالبضائع والسلع، التي ظلت لساعات طوال وسط طوابير السيارات المتجهة نحو الميناء تنتظر تحركها، حيث عبر أصحابها عن استيائهم وغضبهم الشديدين على الجهات المسؤولة عن عملية العبور، التي لم تتخذ أي إجراءات استباقية وفتح مسالك لسكان المنطقة أو تخصيص ممر خاص بهم.

مشكل هيكلي
أجمع عدد من المهاجرين العائدين الذين التقت بهم “الصباح” بمحيط الميناء المتوسطي، أن المعاناة التي يعيشونها هي نتيجة للتدبير الكارثي لعملية عودتهم نحو ديار المهجر، مؤكدين أن المشكل هيكلي وليس ظرفيا، ويتكرر منذ سنوات دون أن يجد المسؤولون حلا جذريا للحدمن كوابيس العودة، التي تتلخص في الطوابير الطويلة، وطول فترة الانتظار قبل الإبحار، والفوضى العارمة للسماسرة الذين يصطادون في الماء العكر، وهو الكلام نفسه الذي كرره العديد من أفراد الجالية الذين وصلوا إلى الميناء يوم الجمعة الماضي وطال انتظار عبورهم إلى أول أمس السبت.

وقال أحمد، وهو مهاجر مغربي مقيم بفرنسا، “لقد مرت لحد الساعة حوالي 10 ساعات ونحن فقط على مقربة من ميناء طنجة المتوسطي. أرهقنا الانتظار وسط هذا الجحيم دون أن توفر لنا السلطات المعنية أدنى شروط السلامة الصحية، باستثناء المجهودات التي تبذلها مصالح الأمن والجمارك لتنظيم حركة المرور والتقدم نحو الميناء تسهيلا لعملية العبور نحو الضفة الأخرى و تلافي وقوع أي فوضى محتملة”.

وأكد المهاجر المغربي، أن الكل يتملص من المسؤولية، ومنه الوزارة المكلفة بالجالية، التي تتخذ من هذه العملية موقع المتفرج، مؤكدا على ضرورة التنسيق بين كل المتدخلين، بما فيهم الشركات البحرية، من أجل التخطيط والبرمجة لكل موسم على حده، وذلك على غرار الموانئ الموجودة في الضفة الأخرى، التي لا تعيش نفس الوضعية بفعل التخطيط الإستباقي المحكم، مؤكدا أن السماسرة لا مكان لهم هناك.

وضع كارثي
استغرب مهاجر مغربي آخر مقيم باسبانيا من الأوضاع التي تشهدها الموانئ المغربية كل سنة، عكس ما يقع في ميناء الجزيرة الخضراء، وقال “كذب من قال كلشي بخير، فالأوضاع كارثية بمعنى الكلمة، ولا ندري صراحة لماذا يتكرر هذا الأمر دائما، حيث أصبح التأخير والمعاناة مألوفين لدى عمالنا بالخارج، والسؤال المطروح، لماذا في الموانئ المجاورة، كسبتة مثلا، لا يحصل بها أي تأخير؟ علما أن ميناء طنجة المتوسطي يتوفر على جميع الإمكانيات والتجهيزات الضرورية”.

وتساءل أحد الطلبة المغاربة بالديار الفرنسية، متى يفكر المسؤولون في إيجاد حل لهذه المشكلة الكبيرة، التي يعاني منها المهاجرون عند عودتهم، مشيرا إلى أن الحل في نظره سهل ويتجلى فقط في وجود الإرادة لدى الجهات المسؤولة، واتخاذ بعض الإجراءات البسيطة كإلزام الشركات البحرية بوضع توقيت محدد عند حجز التذكرة، كما هو الحال بالنسبة إلى الطائرة، إذ بذلك، يقول الطالب، “سوف نتفادى الانتظار الطويل ونقطع الطريق على السماسرة الذين يستغلون الوضع لرفع ثمن التذاكر إلى مستويات لا تطاق”.

مسؤولون يبررون
في ظل هذه الضجة خرج لحسن عبقري، مدير ميناء طنجة المتوسطي للمسافرين، بتصريح صحافي أكد فيه أن سبب هذا الاكتظاظ المفاجئ يعود لنفاد التذاكر بميناءي طنجة المدينة والناظور، ما أدى إلى تدفق عدد كبير من المسافرين على الميناء المتوسطي، بالإضافة إلى التأخر في عودة البواخر من ميناء الجزيرة الخضراء، مؤكدا أن مدة الانتظار لم تتجاوز في المتوسط 10 ساعات ونصف ساعة.
وأوضح عبقري، أن كل المتدخلين في العملية يشتغلون على قدم وساق من أجل مرورها في ظروف جيدة من الناحيتين الأمنية والصحية، مبرزا أن سلطات الميناء سبق أن حذرت من التوافد على الميناء في مراحل معينة، إلا أن اختيار أغلب المهاجرين توقيتا موحدا للخروج خلال فترة وجيزة لا تتعدى سبعة أيام، هو من الأسباب الرئيسة لما وقع من اضطراب في عملية العبور، الذي يعود إلى محدودية عدد البواخر المخصصة لهذه العملية الكبرى.

من جهته، أكد فريد الطنجاوي، مدير القطب الإنساني بمؤسسة محمد الخامس للتضامن أن المؤسسة موجودة في جميع نقاط العبور منذ الخامس من يونيو الماضي إلى اليوم، مبرزا أن تلك الأعداد الكبيرة تدفقت على كل الموانئ المغربية بدون استثناء، وليس ميناء طنجة المتوسطي فقط، مؤكدا أن المؤسسة على اتصال دائم مع شركات الملاحة البحرية من أجل بذل مزيد من المجهودات والزيادة من عدد رحلاتها البحرية للتخفيف من هذا الاكتظاظ الحاصل.

وقال الطنجاوي إن “سبب هذا التدفق غير المسبوق، يرجع إلى تزامن فترة الصيف وعيد الأضحى في المغرب مع الأيام الأخيرة من عطلة المهاجرين المغاربة، ما جعلهم يستعجلون العودة إلى بلدان الإقامة حيث يبدأ الموسم الدراسي لأبنائهم، ما زاد من عدد المغادرين وتطلب ذلك وقتا إضافيا للعبور، على خلاف الأيام العادية التي لم يكن يتعدى فيها الانتظار ساعة واحدة فقط”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى