fbpx
ربورتاج

ضـايات إفـران تمـوت ببـطء

فعاليات تدق ناقوس الخطر وتطالب بالتحقيق في استنزاف المياه من قبل فلاحين كبار

لم تعد بعض ضايات وبحيرات إقليم إفران، إلا أسماء متداولة بين زوارها، حسرة على مآلها بعد عقود شكلت فيها مزارات سياحية ينعش الإقبال عليها، جيوب أبناء الإقليم سيما صيفا، ما لم يعد ممكنا بعد جفاف مياه بعضها وموت كل أشكال الحياة فيها، وتحولها إلى ساحات صالحة فقط فضاءات للتبوريدة والفروسية. حالها يدمي الأفئدة ويدمع العيون حسرة، دون أن ينفع ذلك في تدارك واقع لم تمح تجلياته، أمطار وثلوج عجزت عن ملء ضايات استنزف كبار الفلاحين، مياهها بحفرهم آبارا بأعماق كبيرة، امتصت فرشاة مائية زاخرة وبخرت حلم الجميع، دون أن تمتص غضبا يتأجج بتوالي جفافها تباعا دون حركة من مسؤولين غافلين.

إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: (أحمد العلوي المراني)

دقت عدة فعاليات ناقوس خطر وشيك، تناهى صداه لآذان مسؤولين غضوا الطرف عن موت بطيء لمواقع طبيعية تشيع تباعا بمقابر التناسي والنسيان، وأقبرت حلم إعادة إحيائها وحماية مياهها من استنزاف متواصل وعن سبق إصرار، قد يطول المتبقي منها، مما وقفت عليه “الصباح” في جولتها المكوكية وزيارتها لبعضها.

لوحة خادعة
على بعد ستة كيلومترات من إيموزار كندر في الطريق لإفران الغارقة في فضائها الغابوي الملطف للأجواء في يوم حار، ثبتت لوحة عليها أسماء تلك الضايات والمسافات الفاصلة بينها وهذا الموقع الحاضن كلابا ضالة منهكة جائعة تتجول بحثا عمن يطعمها ببقايا موائد العابرين، كما مواقع طبيعية تستجدي عطف زائريها الجاهلين بحالها.
حال هذه الكلاب وجراحها أشبه بمآل تلك المواقع الميتة بنفوق ما بها من طيور وأسماك وحيوانات، وتشييع ما تبقى من أمل في شباب فقد مصادر كسبه في كراء الخيول والزوارق ليس فقط في ضاية عوا الأقرب بنصف كيلومتر، بل في تلك البعيدة في الاتجاه نفسه إلى ضايات إيفر وإيفرح وحشلاف وافركاع الأبعد بينها.
بمدخل ضاية عوا الواقعة بعيدا ب15 كيلومترا عن إفران، إشارة لمسارات ممكنة في جولة سياحية عبر البحيرات، لم يعد لها وجود إلا في لوحة تشوير لم تتأثر بتقلبات الجو، وقد ينخدع بها العابر فيهيم بين الجبال بحثا عن مواقع طبيعية فاتنة، لم يتبق من بعضها إلا أثر ضاية واسم مؤرخ لها ولذكريات ناس عبروا منها.
حالها يؤلم من أول نظرة كما ضاية عوا الأكثر ارتيادا إلى حين لسهولة الولوج إليها قبل تحولها إلى فضاء مقفر على طول 140 هكتارا الممتدة لمدخل الجماعة، لم يتبق بها إلا بناية فندق معروض للبيع وشباب دواوير مجاورة حالمون باستعادة وسائل كسبهم التي جفت بجفاف مياه ضاية اشتهرت بسمك الزنجور وطيور مختلفة.

طرق متآكلة

لوحات التشوير تغري عابري هذه الطريق لاكتشاف فضاءات كانت مزارات الراغبين في الراحة والاستجمام وممارسة الصيد والقنص. لكنها خادعة أحيانا لما يجد الزائر نفسه تائها في طريق متفرعة لا تصلح إلا لمرور الدواب والعربات التي تراوغ إسفلتا لم تتبق منه إلا سنتمترات معدودات.
الوصول لأفركاع الأبعد ب29 كيلومترا عن عوا أو إيفرح وحشلاف المتقاربين وإيفر الأقرب بتسعة كيلومترات ناقصة، صعب ومستحيل لغير المتسلحين بالصبر وفضول الاكتشاف رغم مرارته، ومتعب لأجساد لم تتحملها عربة متمردة على إصرارهم الزائد ورداءة طريق متسللة بين ضيعات فلاحية شاسعة غارقة في أشجارها المثمرة.
لكن الرحلة قد تكون أقل تعبا إن اختار الزائر الاتجاه الآخر، انطلاقا من إفران عبر الطريق إلى ميشلفين، إذ الوصول ممكن عبر طريق بجودة أحسن على طول 20 كيلومترا إلى ضاية إيفرح الحاضنة 1500 طائر على مساحة 117 هكتارا وعمق 12 مترا، وبأقل بأربعة كيلومترات إلى حشلاف الممتدة على 15 هكتارا والمعروفة بسمك التروتة.
هذه الطريق الجبلية أو عبر حقول التفاح والإجاص والخوخ، ممتعة للعيون الباكية بعد حين لجفاف جل تلك البحيرات أو النقص في مياهها بشكل لافت للانتباه، خاصة بضايات إيفر وإيفراح وحشلاف وافركاع، دون بحيرة سيدي ميمون البعيدة بخمسة كيلومترات عن ضاية عوا، والصامدة في وجه الآبار المستنزفة لمياه نظيراتها.

أسئلة محيرة

على طول الطريق في هذه الجولة السياحية الاستكشافية لبحيرات إفران، تضخمت الأسئلة وزادت حيرتهما بطي سيارة أقلتهما لمسافات أطول في مسالك أصعب مما توقعاها. رغم تعبهما أصرا على تحدي الطبيعة وأجوبة غير مطمئنة لكل من سألاه عن تلك الضايات، وصدمهما بمآلها المزري المغضب للأهالي.
“ما بقات ضاية. ما فيها لا ماء ولا حوت ولا طيور”. أجوبة تكررت على ألسنة شباب استفسراهم في لقاءات تجددت على طول الطريق بين ضايتي عوا وحشلاف. عبثا حاولوا كشف أسباب جفافها بادعاء قلة التساقطات الثلجية والمطرية، وفي أفئدة غصة من آبار ضيعات فلاحية، لها نصيب في استنزاف مياهها.
“حشلاف سيغضب لحال ضايته” هكذا سخر أحد أبناء المنطقة من مآل الضاية التي أصبحت مجرد أرض قاحلة ملاذا للحشرات الضارة، ما بها ماء ولا ضفادع ولا سلاحف ولا أي أثر للحياة، لتضح مجرد مكان كبقية الأمكنة لا يغري أحدا بالزيارة ولا الطمع في مدخول يدره على شباب طالما عاش من مهن موسمية.
هؤلاء وغيرهم بمختلف البحيرات والضايات الجافة، الأكثر تضررا من غضب طبيعة وجشع فلاحين “كبار” مصوا خلسة ماء الضيعات و”سفو” دماء من يعيشون من العمل بمحيطها، والمنتعشين بهدوء خارق وراحة غير ممكنين إلا في هذه المواقع الطبيعية المهددة في كينونتها، في انتظار تدخل المسؤولين.

مطالب بالتحقيق

أمام الخطر الذي يهدد هذه المواقع الطبيعية، ارتفعت الأصوات المنادية بتدخل رسمي حازم وجدي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وقفا لنزيف يهدد مستقبل ضايات أخرى، شكلت دوما مصدر شهرة إفران ونقطة مضيئة ومدعمة لسياحتها، خاصة تلك الواقعة قريبا من ضيعات فلاحية، تناسلت بشكل لافت للانتباه بمواقع مختلفة.
وطالب محمد الطبيب، عضو الهيأة التنفيذية لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان، بإيفاد لجنة مركزية مختلطة من ممثلي عدة مصالح ومؤسسات ووزارات متدخلة، للتحقيق في ظروف استنزاف الثروة المائية الباطنية بالمنطقة، والبحث في ما إذا حصل أصحاب تلك الضيعات على رخص قانونية لحفر آبار عميقة.
وطالب بالاستغلال المعقلن للماء في محيط تلك الضايات والبحيرات، وإعمال قوانين حماية الثروة المائية تماشيا مع الاستراتيجية الوطنية في المجال، على الأرض للحفاظ على ما تبقى من مواقع طبيعية مماثلة مهددة بدورها، بعدما زحفت الضيعات على مواقع قريبة منها، وبشكل امتد إلى عيون بإيموزار كندر جفت بدورها.
ويزداد التخوف على مصير بحيرات أخرى بما فيها وادي تيزكيت الذي بدا فارغا من مائه قريبا من عين فيتال، وأفنورير المنطقة الرطبة المصنفة في إطار اتفاقية رامسار لحماية الطيور المهاجرة، فيما يبقى تدخل المسؤولين ضروريا لحماية كل المعالم السياحية البارزة بإقليم يشهد إقبالا كبيرا للسياح في الشتاء والصيف.

الضايات من بين 60 موقعا طبيعيا

تتوفر إفران التي تحتل الرتبة الثانية أنظف مدينة في العالم بعد كالغاري الكندية، على عدة بحيرات ووديان وعيون معترف بها دوليا، وتجعل منها بوابة للمنتزهات الوطنية وفضاء مهما للاستقطاب السياحي من الدرجة الرفيعة، خاصة أمام احتضانها 60 موقعا سياحيا منها الضايات والبحيرات.
ويشكل الإقليم الزاخر بمياهه الباطنية والسطحية، أكبر خزان للمياه بالمغرب، ويشتهر ببحيراته ووديانه وعيونه التي تجاوزت شهرتها حدود المنطقة من قبيل عين رأس الماء وسط غابات الأرز الجميلة، على بعد 10 كيلومترات من أزرو قرب مخيم صيفي، وتتوسطها محطة لتربية الأسماك أنشئت في سنة 1957.
وتشكل عين بنصميم وجهة سياحية مفضلة لزوار الإقليم، كما بحيرات أمغاس الثلاث على بعد 22 كيلومترا من أزرو على الطريق إلى خنيفرة، باعتبارها قبلة صيادي الأسماك سيما من الترويت، وبحيرة أفنورير المحتوية على تنوع بيولوجي مهم خاصة الأسماك والطحالب والبرمائيات، وبها مرصد لمراقبة مختلف الطيور المهاجرة.
وإضافة إلى وادي فلات الساحر بجمال وتنوع مجراه، تبقى بحيرة أكلمام تيفوناسين على الطريق بين مدينتي أزرو وميدلت، فضاء طبيعيا يظل عشاق الصيد، أول مرتاديه باعتباره محمية عالمية مصنفة في إطار اتفاقية رامسار كما بحيرة أفنورير الممتدة على ثلاثة هكتارات، والتي تشتهر بأنها تجمع كبير لطيور الشهرمان الأخضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى