بانوراما

الريش … قبطان مع وقف التنفيذ: أسـود حـرب الرمـال

تسلط شهادة القبطان السابق عبد الرحمان الريش الضوء على حقبة مهمة في تاريخ المؤسسة العسكرية المغربية، بحكم أنه كان ضمن أول فوج للضباط المغاربة الذين تخرجوا بعد الاستقلال، والذي ضم الجنرالات حسني بنسليمان وبوشعيب عروب والراحل عبد العزيز بناني. وتقف هذه الشهادة على مسار المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال، وأهم الأحداث التي شاركت فيها، وأبرزها حرب الرمال، وحرب الصحراء ضد “بوليساريو”. في الوقت الذي تسلق فيه رفاق الريش المناصب إلى أن صاروا من أهم قادة الجيش، غادر المؤسسة العسكرية من الباب الخلفي برتبة قبطان، “لأسباب مجهولة”، حسب قوله.

الحلقة الثالثة … أسـود حـرب الرمـال

لم أستغرب تورط الكولونيل اعبابو في الانقلاب لأنه وصل إلى مرحلة متقدمة من الطغيان

شاركت في حرب الرمال ضد الجزائر في 1963، وقتها كنت مكلفا بمهمة تتبع وإصلاح الآليات العسكرية. شاركت في بعض المعارك، لكن أغلب الوقت قضيته خلف خطوط النار مكلفا بإصلاح الآليات والمعدات العسكرية من أجل إعادة إشراكها في المعركة.

خلال حرب الرمال، كنت وقتها تحت إمرة الجنرال الراحل إدريس بنعمر. فعلا أدينا المهمة بنجاح وانتهت المعركة بانتصار تاريخي للمغرب. صراحة، كشفت هذه المعركة عن كفاءة الضباط المغاربة، وبينت أن الجيش المغربي ينتظره مستقبل كبير، وسيكون قوة عسكرية قوية بإفريقيا، وحتى في العالم، بسبب كفاءة الضباط الذين كانوا في مستوى المسؤولية والمهمة.

كنت خلال هذه الحرب بمنطقة “فم الحصن”. مهمتي، كما قلت في السابق، الإشراف على المعدات والمدرعات الحربية، وفي الوقت نفسه أسندت لي مهمة أخرى بعد اشتداد المعارك، وهي “التموين”، أي تزويد القوات المشاركة في جبهات القتال، بمواد غذائية وأسلحة. كان دور فرقتي نقل المواد الغذائية والأسلحة من أكادير ونقلها إلى قواتنا في جبهات القتال على الحدود الجزائرية.
إلى جانب الجنرال الراحل إدريس بنعمر، لمع في هذه المعركة اسم جنرال كبير وهو الراحل حمو، الذي أعدم بعد انقلاب الصخيرات. صراحة كان هذان الجنرالان أسدين حقيقيين، كبدت فرقهما الجزائريين خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

كانت علاقتي بالجنرال إدريس بنعمر متوترة. لم أكن أفهم السبب. كان يعاملني بجفاء، سيما أنه صاحب طباع حادة. وشاءت الصدف أن يلتقيني بعد أن غادرت الجيش والتحقت بالخطوط الجوية الملكية مسؤولا بأحد مكاتبها، فأخبرني أنه من يتحمل مسؤولية مغادرتي الجيش المغربي، واعتذر لي كثيرا.

تبين في ما بعد أن موقفه مني سببه وشايات ضباط، كانوا يزودونه بأخبار زائفة عن سلوكي ومغامرات وهمية داخل وخارج أوقات العمل، وهو ما أثار غضبه وقرر معاقبتي، دون أن يستمع إلى وجهة نظري.
خلال مهامي العسكرية، تعرفت على الكولونيل امحمد اعبابو، قائد المحاولة الانقلابية بقصر الصخيرات. كان له طبع حاد مبالغ فيه، ربما يحاول تقليد الجنرال إدريس بنعمر في كل شيء، وهذا ليس بغريب ما دام الجنرال كان معروفا لدى أوساط قيادة الجيش المغربي أنه “عرابه”.

لم أستغرب تورط الكولونيل اعبابو في العملية الانقلابية، بحكم أنه، وصل إلى مرحلة من الطغيان الكبير داخل الجيش. لم يعد أحد يجرؤ على وضع حد لنفوذه المتزايد يوما بعد يوم، إلى أن قتل خلال النزال الشهير مع الجنرال البشير البوهالي، الذي فارق الحياة أيضا دفاعا عن وطنه وملكه.

بوفاة البوهالي، تعرضت للعزلة وفقدت السند، بحكم أنه كان يقدم لي كل الدعم والمساندة، ووجدت نفسي وحيدا داخل المؤسسة العسكرية.

بعد العملة الانقلابية انتقلت إلى القيادة العامة للجيش بالرباط، للنظر في وضعيتي، ففوجئت بمسؤول يجيبني بعبارة “سير دبر على راسك في شي خدمة”، وقتها أدركت أن الفساد بدأ ينخر الجيش، وأن المصالح الشخصية والعائلية بدأت تفرض وجودها. ظلت علاقتي بحسني بنسليمان جيدة، وتوطدت أكثر عندما التحقت بالقوات المساعدة، وقتها كان الجنرال يشغل منصب مفتشها العام.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق