بانوراما

ناج من حبل المشنقة … من قلب درب مولاي الشريف

بعد صدور حكم الإعدام، يصبح شبح حبل المشنقة يترصد أعناق المدانين، ويغدو صوت المفاتيح كابوسا مرعبا، تحبس معه أنفاس “منتظري الموت”، الذين أصبحوا تحت رحمة الجلاد.
في هذه السلسلة، تقربكم “الصباح” من الحياة داخل حي الإعدام بسجن القنيطرة، من خلال تجربة المعتقل السياسي السابق أحمد الحو، المحكوم بالإعدام سنة 1984 ضمن مجموعة “71”، والذي قضى 10 سنوات داخل حي الإعدام، ويروي لنا تفاصيل من اعتقاله وتعذيبه داخل معتقل درب مولاي الشريف، والحكم عليه بالمشنقة، ومن ملامح حياة حي الإعدام، وصولا إلى الإفراج عنه، الذي كان ولادة أخرى.
عصام الناصيري

الحلقة 5 … من قلب درب مولاي الشريف

بعد مدة غير هينة من التعذيب، نقلنا إلى معتقل درب مولاي الشريف. كنا مجموعة من الأشخاص، لا أعرف أي منهم، وضعوا “بانظة” فوق أعيننا، وكانوا يوهموننا بأننا في مكان غريب، من خلال نوعية الحديث الذي يدور بينهم.

بمجرد دخولي إلى المعتقل و”البانظة” فوق عيني، أزالوا عني ملابسي وتركوني “عريان”. أعطوني لباسا يدعى “الكاكي”، وقالوا لي هناك شروط إن خالفتها لا تلومن سوى نفسك، وهي أن الكلام ممنوع مع أي شخص، واسمك لم يعد أحمد، بل أصبح “رقم 36″، ولا تتحرك من مكانك، و ممنوع “النقابة”، وقلت له لم أفهم قصدك من “ممنوع النقابة”، فرد قائلا لا أريد سماعك يوما تقول “بغينا أو أعطونا”، بمعنى ألا أتحدث بنون الجماعة، بالإضافة إلى شرط آخر، مازلت أتذكره وهو قوله “نعيط لك متجاوبش نعطي لمك قتلة”.

التعذيب في درب مولاي الشريف، يختلف عن نظيره الذي كان لدى الشرطة (دستي)، الأول يومي ويشرف عليه الحراس، خصوصا إذ خرقت بندا من الاتفاق. والتعذيب المنهجي الذي تشرف عيه الشرطة، تلجأ فيه إلى أقبح الوسائل، تبدأ بالضرب والصعق وتصل إلى الاغتصاب بالكلاب. وفي المعتقل، هناك الضرب والعقوبات، إذ كانت لديهم عصا مكنسة، يطلب بالقوة من المعتقلين رفعها فوق رأسهم، والوقوف على رجل واحدة مدة طويلة، وكنت دائما أرفض تلك الطرق المهينة، ولكن “ديما واكل العصا وخارق القوانين”. وكان همي في الأيام الأولى هو كيف أتخلص من “البانظة” التي تحجب عني الرؤية، وتمكنت من ذلك، إذ أزلت منها بعض الخيوط، وأصبحت قادرا على تميز الأشياء والأجسام التي أمامي.

كنا نعيش ممددين في زنزانة جماعية، ويأمروننا بألا نتحرك من أماكننا، ولم يكن يحق لنا الذهاب إلى المرحاض، بل كانوا يأخذوننا إليه مرة في اليوم. كنا عشرين معتقلا، وكان الحراس يعاقبوننا إذ تحدثنا إلى بعضنا، لكن بعدما تمكنت من رؤية ما حولي، أصبحنا نتحدث وكلما فاجأنا الحارس يجدنا جميعا ممددين في أماكننا، ولا يعرف من منا كان يتحدث. ذات يوما قال لنا إن لم تخبروني من الفاعل، فسأعاقبكم جميعا، حينها رفعت يدي وقلت له أنا من كان يتكلم، ضربني وقال لي “كنت تتحدث مع من”، وأجابته بالقول “قلتو لي النهار الأول متهضدرش مع صاحبك ماشي مع راسك”. عندها أمرني بأن أرفع عصا المكنسة فوق رأسي، لكني رفضت وقلت له “والله ما نهزها ضربني إلى بغيتي ولكن مانهزهاش”. لم يكن تحديا، بل فضلت أن يعذبني على أن أقف على رجل واحدة، وبما أننا نكون ممددين طيلة الوقت، فإنه يصعب علينا حتى أن نقف على أرجلنا، وما بالك بأن تقف على رجل واحدة وأنت رافع العصا فوق رأسك. لم أتقبل تلك الإهانة.

حمام غريب

لا أنكر أنه كان بين الجلادين “ولاد الناس”، لأن الحارس نفسه اعتنى بي في النهاية، وأخذني إلى الحمام وتركني أستحم لمدة طويلة.
كان من حقنا أن نستحم مرة في شهر أو شهرين، لكن استحمامنا كان غاية في الغرابة، إذ كان الواحد منا لا يتجاوز دقيقة تحت رشاشة الماء، إذ كان يعد الحارس إلى عشرة، وإن لم تخرج ينهال عليك الحراس بالضرب وأنت عار وجسمك مبلل. وباستثناء تلك الواقعة التي تعامل معي فيها الحارس بلطف، فإننا تعرضنا للضرب والتعذيب والحرمان والإهانة إلى حدود إحالتنا على المحاكمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق