بانوراما

محاكمات فوق العادة … قـبـر أمـي

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.

قد تتعدد الحكايات والقضايا التي يقف أمامها القاضي موقف المستغرب، ليس فقط بشأن نوعيتها ولا حتى أطرافها، ولا حتى موضوعها الذي يكون في غالب الأحيان غريبا، ولا يمكن التصور أن يكون موضوع شكاية أو قضية.

وقفت فاطمة تنتظر كثيرا، لوضع شكايتها أمام نائب وكيل الملك المكلف بتلقي الشكايات، وكانت في كل مرة تسأل المكلف بالأمن عن دورها، وفي كل مرة كانت تلاقي الجواب نفسه بأنه لم يحن بعد.
بعد أزيد من ساعتين من الانتظار، سمح لها بولوج مكتب النائب، الذي ظن في البداية أن شكايتها ستكون إما بسبب نزاع حول أرض أو ضرب وجرح متبادلين، أو غيرها من الشكايات التي تتقاطر على المحكمة بشكل يومي، والتي تطبع غالبها النزاعات البسيطة، والتي تنتهي قبل أن يبدأ البحث فيها. لكن رغم خبرته، لم يكن يتوقع نوعية الشكاية التي تقدمت بها تلك المرأة والتي فاقت كل التصورات.
بعد أن ولجت المكتب طلب منها الجلوس وسألها عن الشكاية التي تريد تقديمها، وفي مواجهة من؟ فجاء الجواب سريعا، “الشكاية التي أود تقديمها في حق زوجة أخي”، هنا ابتسم القاضي ظنا أن الأمر لا يخرج عن الخلافات العائلية، وكان ينتظر بين الفينة والأخرى أن يتم طرق باب مكتبه من قبل زوجة أخيها لتقدم شكاية مضادة.

وبعد دقائق معدودة، تلاشت كل التكهنات السابقة، بعد أن اطلع على الشكاية التي كانت مدونة بخط اليد وتحمل توقيع المشتكية، حاول قراءتها لكنه لم يتوفق، لأن الخط كان رديئا، فطلب منها أن تحكي له القصة، فقالت له إن الشكاية التي تود تقديمها في مواجهة زوجة أخيها تخص فعلا مشينا قامت به، ولحق ضررا بالعائلة، حينها اعتقد القاضي أن الأمر ربما يتعلق بخيانة زوجية، وأن شقيقها غير موجود، لكن مرة أخرى يخيب ظنه ليجد نفسه بعيدا عن الشكاية التي أتت من أجلها فاطمة، فالأمر بعيد عن الخيانة الزوجية أو الخلافات العائلية، وإنما يتعلق بتصرف قامت به زوجة أخيها اعتبرته فاطمة غير قانوني ويضر بالعائلة.

ولفك طلاسم تلك الشكاية خاطبها القاضي، “ألالة أش دارت مرات خوك”، فجاء الرد الذي طالما كان القاضي ينتظره “بنات قبر أمي”، فقاطعها القاضي “أشنو دارت”، “شوف أسيد القاضي راها أمي ماتت ومشات وبنات قبرها بلاما تشاور”.

سألها القاضي عن معنى ذلك، فأجابته أن والدتها توفيت وقررت العائلة ألا تحدث أي بناء على قبرها، إلا أن زوجة أخيها لم تتقبل موقف العائلة، وتجاوزتهم لتقيم بناء على القبر، وهو ما اعتبرته العائلة مسا بحقوقها وحرمة والدتها المتوفاة، وأنه أمام ما قامت به زوجة أخيها، من مس بحقوق العائلة ارتأت أن تتقدم ضدها بشكاية في الموضوع، مشيرة إلى أن القانون يمنحها حق التشكي من أي شيء يشكل ضررا، كما أن زوجة أخيها لا يحق لها القيام بذلك، حينها حاول القاضي إقناعها بأن الأمر لا يحتمل كل ذلك ويمكن حله وديا، لكنها رفضت ذلك وأصرت على تقديم الشكاية، ليأتي جواب القاضي “هذه هي الشكاية صافي راه غادي نتاخدو فيها اللازم”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق