fbpx
الصباح السياسي

تعادلية الاستقلال على المحك

شبح الهيمنة وثمن المعارضة يصعبان مأمورية القيادة في امتحان الديمقراطية الداخلية

كاد الاستقلال أن يبصم على تحول كارثي بعد معركة ” الصحون الطائرة” التي وقعت في مؤتمره الأخير، وهي مؤشر على تدني السلوك السياسي في تدبير الاختلاف في صفوف الحزب، ودخول قادته في حرب داخلية طاحنة، استنزفت جهد الأطر في تطوير هياكله، وبعد أن جاء المؤتمر بقيادة جديدة وضع شبح الهيمنة الديمقراطية الداخلية على المحك.
بـركـة يلعـب ورقـة الثقـة
الأمين العام يواجه مطلبا استعجاليا برأب تصدعات جانبية بقيت منذ زلزال شباط
لم يعد الاستقلال يدبر بطريقة إستراتيجية، بالنظر إلى الأصوات المحذرة من التخلي عن الفكر التعادلي الوسطي، المبني على اتخاذ القرار بعد تمحيص كافة المعطيات، إذ أنه في ظرف ولايتين حكوميتين، انتقل من مشارك في الحكومة السابقة، لمدة سنة ونصف، إلى معارض لها، لأن أمينه العام السابق، حميد شباط، كان يطبق تعليمات غير مفهومة، من بعض زعماء الأحزاب، إذ اعتقد في السابق أنها تعليمات كبار مسؤولي الدولة، إلى أن اكتشف أنه ذهب ضحية تلاعب من بعض زعماء الأحزاب، ما جعل الاستقلال يدخل في متاهة لا قرار لها، لأنه خاض صراعات بالوكالة، أنهكت قيادته وأطره الكفؤة، وحولته إلى حزب تائه، وأثناء جريان الاستحقاقات الانتخابية، دخل أمين عام الحزب إلى معترك الصراع مع وزارة الداخلية، وجر معه كل القادة، وتعمم الصراع مع مؤسسات الدولة في الشؤون الخارجية، ومع الطيب الفاسي الفهري، مستشار الملك، إذ أثرت تصريحات شباط حول الوضع التاريخي لموريتانيا، سلبيا أثناء وضع المغرب ملفه للعودة إلى الاتحاد الإفريقي.
وحينما حاول الحزب إعادة هيكلة ذاته، وجد نفسه غارقا في متاهات كثيرة بين المناضلين والمناضلات، وبعض القادة والأطر الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ومجموعة من الانتهازيين والانتهازيات، يخلطون الأوراق، فتأجج الوضع ولم تعد الثقة قائمة بين الأعضاء وما واقعة تبادل الشتائم و” طباسل” في مؤتمر الأخير 17، إلا خير دليل، إذ لم يسبق لهذا الحزب أن شهد مثل هذه المعارك الطاحنة، على مر 16 مؤتمرا.
وما جرى في الاستقلال خلال السنوات الماضية، يؤكد صحة توقعات مؤسسه، إذ غير الاستقلاليون من رأيهم بعد عشية وضحاها، بعد تصويت في المجلس الوطني، بمغادرة الحكومة السابقة، والانتقال إلى المعارضة وتقديم 5 وزراء استقالتهم، باستثناء محمد الوفا، الذي رفض أن يزج به في متاهات لعب ” راس الدرب”، على حد تعبير بعض قادة الحزب القدامى، الذين استفاقوا على قرارات متناقضة، من مغادرة الحكومة إلى عقد مصالحة مع قادة الاتحاد الاشتراكي، الذين استشاطوا غضبا حينما استمعوا إلى تصريحات شباط الذي اتهم القيادي الاتحادي الراحل المهدي بن بركة، بأنه كان سفاكا، و ” قتالا” تآمر على تصفية المختلفين معه، وتآمر على النظام، بتنسيق مع أجهزة أجنبية، ما جعل هيأة محامي الاتحاد الاشتراكي، تقاضي شباط في المحكمة.
فحينما أعاد الاستقلال تنسيقه السياسي مع الاتحاد الاشتراكي، مد يده للأصالة والمعاصرة، بعد جلسة صلح مع أحد قادته إلياس العماري، الذي اتهمه شباط بالتدخل في القضاء وتعيين الشخصيات، وابتزاز التجار في تجمع خطابي. وطبعا أضحى الاستقلاليون في موقف حرج جدا، تتغير مواقفهم السياسية بتغير موقف الأمين العام، فساهم في إضعاف الحزب، وبعد إعلان نتائج الانتخابات، انقلب شباط مجددا، وسايره قادة الحزب أعضاء اللجنة التنفيذية إلا من بعض الاستثناءات وكذا المجلس الوطني، فيما عارضه الذين شكلوا جمعية بلا هوادة، أما لجنة الأطر المركزية فهمشت حتى اعتبرت في عداد المؤسسات المنتهية الصلاحية، فيما الروابط المهنية، لم تعد التي تقترح تصوراتها على القيادة لمراجعة العمل السياسي للحزب، بل تشتغل تحت إمرة ما يريده الأمين العام، والأمر نفسه ينسحب على الاتحاد العام للشغالين بالمغرب الذراع النقابي للحزب، وظلت العصبة المغربية لحقوق الإنسان، في منأى عن ذلك، إلا في بعض الأحيان التي زج بها في صراع غير مجد.
وحينما أراد الاستقلاليون إنهاء ولاية شباط، اصطفوا مجددا ضده، الذين صفقوا له وصرحوا معه، ورفعوه فوق أكتافهم، هم من طلبوا منه المغادرة، وأنزلوه أرضا، لأنهم اصطدموا في ” الحيط” مباشرة، إذ فقد الاستقلال قدرته في تدبير الاختلاف واتخاذ القرار المطلوب في اللحظة، التي تستوجب ذلك دون تسرع أو تأخر.
ترميم الهياكل
بعد انتخاب نزار بركة، أمينا عاما، وجد تنظيمات الحزب، (الفروع والمكاتب الجهوية والمفتشون)، في حالة صعبة جدا، ما تطلب منه سنة ونصف من العمل المستمر لإعادة هيكلة الحزب على كافة التراب الوطني، وتفادي الاسترخاء الذي أوقف تحركات المفتشين الذين يشكلون أمناء عامين محليين، لهم القدرة على الاستقطاب وتحقيق نتائج انتخابية طيبة.
وحينما حاول بركة إعادة ترميم هياكل الحزب، ظهر أنه لن يتمكن من العودة إلى ” الفكر التعادلي” لوجود هيمنة واضحة لآل الرشيد، الذي تجاوز طريقة شباط في التدبير من وضع المقربين منه بنسبة 95 في المائة، عوض 75 في المائة التي كان يقوم بها شباط، وبالتالي تجاوز الحدود المسموح بها، ويساهم بطريقته في إفراغ الأمانة العامة من وظيفتها، وفي إظهار بركة أنه شخصية غير قادرة على بصم فترة تدبيرها للحزب، بقرارات جديدة، غير التي غير فيها مجددا موقفه من المساندة النقدية للحكومة إلى المعارضة.

أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى