fbpx
افتتاحية

مأتم الشغل

يفقد “العيد” الكثير من رمزيته، ويهجر العمال “احتفالاته” سنة بعد أخرى، وأغلبهم يفضلون الاستمتاع بيوم عطلة مدفوع الأجر، عوض ارتداء “قبعات” وشد الرحال إلى مسيرات وتظاهرات تصدح فيها الأبواق والشعارات نفسها، وينتصب فيها “الشيوخ” ذاتهم على المنصات، ليعيدوا الخطابات الجوفاء نفسها، دون كلل أو ملل.
لم يعد العيد يغري أحدا، خصوصا في السنوات الأخيرة، حين بدا لآلاف المنتمين والمنتسبين والمنخرطين أنهم مجرد “كومبارس” في مسرحية رديئة تلعب أدوارها الحكومة والمركزيات النقابية و”الباطرونا” بإتقان كبير، ويتحول فيها الحوار الاجتماعي وجميع مرفقاته (مأسسة ولجان وظيفية وملفات مطلبية وإجراءات وتدابير)، إلى ألحان نشاز في أسطوانة مشروخة.
هذه الحقيقة يدركها أغلب العمال والموظفين الذين “غسلوا أياديهم” من شيء اسمه نتائج حوار اجتماعي، ولا “يحلُمون” بتوقيع أي “اتفاق” في الأفق المنظور على الأقل، وهم يعرفون أن ما وُقع في أبريل 2011 مازال أغلبه حبرا على ورق، كما يعرفون (وهذا هو مربط الفرس) أن الحكومة لا يمكنها أن تعطي شيئا هي أصلا لا تملكه في ظل سياق اجتماعي واقتصادي ملتبس وخانق.
إن تعثر جولات الحوار الاجتماعي التي انطلقت في بداية مارس الماضي (وهو أول حوار اجتماعي في عهد حكومة العثماني)، مرده إلى أن الحكومة غير مقتنعة، هي نفسها، بالعرض الذي قدمته للنقابات، الذي لا يتجاوز سقف تحسين دخل عشرة في المائة من أجور الموظفين، وذلك بعد سبع سنوات على توقيع آخر اتفاق اجتماعي لم يكن ليوقع، هو الآخر، لولا السياق الضاغط لحراك 20 فبراير.
فخلال السبع سنوات الماضية، طُعم الملف المطلبي للطبقة العاملة بنقاط أخرى، كما شهد السياق السياسي والاجتماعي تغييرات مهمة حتى في بنية العمال والموظفين أنفسهم، وأغلبهم من الشباب الناشط في مواقع التواصل الاجتماعي، وله أجندات أخرى مختلفة يعرف كيف يدافع عنها في الوقت المناسب وبوسائله الخاصة وبنجاعة أكبر في بعض الأحيان.
ومؤكد أن هذه “التغييرات” يدركها أغلب “الزعماء” النقابيين الذين يعرفون في قرارة أنفسهم أن مقولة “الممثل الشرعي والوحيد” أضحت جزءا من الماضي، كما يدركون أن الزمن لم يعد الزمن الذي كان يكفي “عطسة” منهم حتى تصاب الحكومة بالزكام لمدة طويلة، وحين كان للقرار النقابي سلطته وهيبته وشرعيته، وكانت للاحتجاجات والمسيرات والإضرابات القطاعية والوطنية وقع الشلل والإفلاس على الاقتصاد ورأس المال والإنتاج.
إن “تحرير” القطاع النقابي، في السنوات الماضية، ساهم في بروز تمثيليات وشرعيات جديدة، تعبر عن نفسها في شكل تنسيقيات وجمعيات ونقابات فئوية بمطالب وأجندات اجتماعية واضحة ومحددة ودقيقة، استطاعت أن تفرض صوتها في عدد من القطاعات العمومية، مثل الصحة والتعليم والنقل والتجهيز، وأضحت المفاوض الأساسي لدى المسؤولين والوزراء والحكومة.
هذه المعطيات الموضوعية التي ينبغي أن تكون موضوع نقاش عمومي، يعيد طرح صياغة سؤال الجدوى من “حوار اجتماعي مركزي” لم يعد ينتج غير الوعود والشعارات والكلام الفارغ، سواء من قبل الحكومات التي ترغب في تسجيل نقاط جديدة لفائدتها مع “شعب العمال”، أو النقابات التي تشكل مثل هذه المناسبات الوطنية فرصة لضخ دماء جديدة في “شرعيتها” المنهارة.
إن المطالب الحقيقية للعمال، وعموم الفئات الاجتماعية الأخرى، توجد في مكان آخر ، وهي حتما أكبر من مجرد حوار للاستهلاك الإعلامي لم ينتج غير الخيبات والانكسارات والانسحابات المتتالية من العمل النقابي وساحاته واحتفالاته.
فحين يدرك الزعماء ذلك، سيكون للعيد طعم الفرحة، وليس نواح الجنائز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق