fbpx
مقالات الرأي

«تاريخ بلاد تادلة» للجويطي يطرح صعوبة تحديد المجال و سؤال منهج الكتابة التاريخية

إن سؤالا من قبيل متى نكتب التاريخ؟ جوابه المباشر لمّا تخمد العواطف و لمّا لا تؤدي الكتابة الى طرح المزيد من الأسئلة حول الحقائق و الأسئلة المنهجية. في كتاب عبد الكريم الجويطي الجديد «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» تناوله بقصد التاريخ فحضر المؤرخ الى جانب الروائي السارد و معه عواطف الانتماء مما شوش على اختيارات المؤلِّف، سواء عند اختيار العنوان المناسب للمجال المتحدث عنه، أو عند تحديد المجال و تركيب تاريخ فترة زمنية طويلة. و الجوطي كتب في هذا الباب إذ قال أنه انطلق بنية الكتابة حول بني ملال فاكتشف خصوصيات المجال في تعدده و امتداده فكتب عن تادلا. و الحقيقة أن المحيط الملالي قاده الى المحيط التادلي و الذي جره للحديث عن بلاد زيان و أم الربيع و قدم الأطلس المتوسط الغربي.. فاحتكم لإحساس الروائي و اختار تادلا، و المؤلف لما اصطدم بزخم الأحداث التي كانت تتراوح بين إيالة مراكش و إيالة فاس و ما وقع بينهما من أحداث و جذب و حروب و ولاءات و ثورات و ثروات و أنماط عيش و استعمار… لم تخمد عاطفة الروائي في الحسم في اختيار العنوان “بلاد تادلة”، و ما اختيار تادلة إلا وقوفٌ بين المنزلتين بين خنيفرة و بني ملال بل بين مراكش و فاس. فتادلة و صعوبة العبور عبرها و بلاد زيان و صعوبة عبورها (خنيفرة و قنطرة البرج و قصر المحلة بأدخسال..) و “عبور تادلة كعبور الصراط”ج1 و “الجبل ذلك الغامض الكبير المهيب الذي يسكنه أناس شرسين يتحصنون وراء قمم لا يمكن الوصول إليها و لو بجيش قوي”ج1. و أم الربيع الذي “يمر ضائعا و لا يطعم ضعيفا و لا جائعا إلخ…” وردت في كباء العنبر من عظماء زيان و أطلس البربر ص 47 و في كتاب “تاريخ بلاد خنيفرة” ص11. و كأن المجال المحدد و هو بلاد الأطلس، و بلاد تادلا و ما قبلها و بعدها مجرد عنوان و يقصد بيه ما كان بين فاس و مراكش من أحداث و غرب و شرق الخط النظري الممتد من وجدة الى أكادير إنه تاريخ المغرب ككل.

في الجزء الثاني الفصل السادس، خاص ب”الزاوية الديلائية” الواقعة بجبال شرق خنيفرة، في هذا الفصل حضرت الرؤية الروائية السردية التراجيدية فالحسرة و الندم.. حسرة و ندم دولة أدت ثمن ضياع فرصتها التاريخية و هذه الدولة التي سقطت من كتب التاريخ الرسمي و كانت لها الريادة في العلم، و من طريقة تناولها كان بالإمكان حذف فصل الزاوية الديلائية و مصدر علمها ومن أين أخذت و الاكتفاء فقط بالإشارة لكون الديلائيين عبروا سهل تادلة بسهولة و مقتل عبد الحق الديلائي أخ محمد الحاج سنة 1649م في كمين نصبه له أعراب تادلة و هو عائد من حملة تامسنا. و لنربط بين الجزء الأول و الثاني يقول أن تاريخ تادلا ” إقليما مشتهى ملعونا تراجيديا وقدرا تاريخيا” و “مجال للفرص الضائعة” و الفرص الضائعة هي نفسها مع الديلائيين بل إن “المغرب ضيع فرصا كثيرة للإصلاح” ذكر الزروق الذي ظهر في فاس ودعا إلى كرامة العمل و تكالب عليه الجازوليين والقادريين. هذا البناء التسلسلي للسرد له مرجعية المؤلف الروائي و الدرامي مما أعطى للكتابة التاريخية عند الجويطي جاذبية القراءة (أسلوب يختلف عن لغة مؤرخي القرون الغابرة الصعبة، أقرب الى لغة المؤرخين الغربيين) و لنعود لنقرأ قناعة المؤلف و صعوبة توطين المجال في الجزء الثالث ص36 «إنها الحكاية الأبدية، فالأطلس المتوسط برمته لم يكن يخضع أبدا لسلطة المخزن حتى حين تكون هذه السلطة قوية جدا، و الأكثر وعيا بقوتها. كان مغرب السلاطين مشكلا و منذ مدة طويلة من مملكتين : فاس و مراكش و كان يتم التواصل بينهما بشكل سيء من خلال الذنيب الضيق للرباط. اليوم أعيدت الصلة مع الشرق عن طريق الممر الذي تم تحريره من الآن فصاعدا ممر تازا، مكناس، الرباط، الدار البيضاء، هناك زقاق بطول ألف كيلومتر، طريق وحيدة مرتبطة بطرق جانبية لا تكاد تذكر.(…) لقد كان المولى إسماعيل على حق، لقد قاده حدس صائب. إن مسألة الأطلس المتوسط هي التي تهيمن على كل المسائل الأخرى »ص36 ج3.

خصوصيات المجال الجغرافي: قابل للتمييز، متطور، معقد، مادي و محسوس، معاش، مجال بحث مشترك. هذه المحددات الثمانية للمجال الجغرافي كانت تقف كتحدي أمام مؤلف «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» و عواطف المؤلف لم تخمد لحظة الحسم في اختيار المجال و في الدفاع عن الهامش التاريخي و رد الاعتبار له و الكتابة حوله و تثمينه، و مناقشة الأحداث و إبداء الرأي كالتشكيك في مسار عقبة بن نافع و الأخذ بمسار ابن الوزان و تصويبه. بعد إشكالية تحديد الإطار الجغرافي اصطدم بتحدي شساعة الفترة الزمنية التي يؤرخ لها و غناها التاريخي و ترددها في كتب التاريخ فكان الكتاب يغلي بتاريخ المغرب، مع العلم أن كتابة التاريخ في زمنا تزداد صعوبة نظرا لتدفق المعلومات و غزارتها(فأنترنيت و شبكات تواصل و “نسخ و تلصيق” و ظهور كتب و ترجمات و مؤلفات و نسخ عن كتب مؤلفين غربيين…) بالإضافة الى تقنيات و مناهج و مدارس كتابة التاريخ. أبدأ من هذا المنطلق لأصل في النهاية لقناعة شخصية مفادها أن إعادة كتابة التاريخ أو تحيينه و تركيبه أو تحقيقه أو “تنقيته” تبقى مطلبا ملحا لكنها ليست بالمهمة السهلة في غياب الإطار المنهجي. و الكتابة تتطلب تحديد إطار زمني صغير لتسهل إمكانية التدقيق فيه، و اختيار الشريط الزمني و المفتاح التاريخي الكبير يجعل الكتابة مجرد عناوين و يصعب تناول الأحداث بنفس الحجم و القيمة (اختصار أحداث و إطالة أخرى يختلط فيه التاريخ كعلم بإحساس السارد و انحيازه..)

قبل أي مدخل لكتابة التاريخ و منهجية التاريخ، هناك تعريف للتاريخ و قولة “شيشرون” منذ أكثر ألفي سنة «التاريخ شاهد الأزمنة، و نور الحقيقة، و حياة الذاكرة، و معلم الحياة، و رسول القدم» شيشرون 106ق.م-43ق.م و التاريخ مدرسة للاعتبار و قراءته ليست طلبا لمجد غابر نريد العيش فيه و لكن بقراءة مادية واقعية لأن العيش في الماضي قتل لمستقبل الشعوب و للمبادرة و المساهمة في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية لبناء الحضارة و التاريخ. و بالنسبة للمهتمين بالتاريخ و في مدرجات الجامعة العبارة الأكثر تداولا: “المنتصر هو من يكتب التاريخ” و بين زخم المقولات نجد أيضا ” نصيحة أخوية لا تتعاطى المخدرات و لا تأخذ التاريخ من أعمال الدراما و لا من مناهج التعليم” و هذه العبارات تتولد من كون كتب التاريخ لا تعطي دوما الجواب الكافي الحاسم و مدونها إما منحاز للمستعمر أو للسلطان أو عدو لهما، وصناعة التملق و التزوير و إرضاء الرئيس أو السلطان من أهم الصناعات السياسية للخروج من معارك الهزيمة بانتصار، و بالتالي إذا كان الحال كذلك فإننا لا نأخذ العبرة مما كان، بل نمعن تزويرا في تاريخنا، و نجري العمليات التجميلية و “الليفتينغ التاريخي” لأغلاطنا و زعمائنا… و نخترع أسماء “حركية” لهزائمنا، لا نميز بين الحماقة و الشجاعة، و الفتح و الغزو و السبي.. و الوادي و النهر و التل و الجبل و قطاع الطرق و المجاهدين، و البطل و العميل، و التبذير و الكرم، و الذل و الحرية، و نشارك بذلك في صناعة الحاكم الطاغية أو الجبان أو المهذار… فالتملق يكاد يكون سيد الساحة، و كل رأي مخالف و مضاد يزج بصاحبه في غياهب النسيان سجنا أو تصفية… إذا كان التاريخ تشوبه مثل هذه العيوب فأي عبرة سنعتبر منه؟

التاريخ حافل بالمغالطات، و أكثره يعطي أهمية للأحداث السياسية و العسكرية و يغفل المضمون الاجتماعي الاقتصادي و التفاعلات الكامنة و الممكنة فيه و هي الأهم، و بالتالي فإعادة كتابة التاريخ ذات أمهمة بالغة لكنها تتطلب تنقية و تركيبا و تحيينا وفق منهجية تأخذ بعين الاعتبار أوجه التوافق و الاختلاف و التشابه في المراجع و تنويعها للوقوف على مسافة واحدة من المراجع و الأحداث و عند الجوانب التي تم تسليط الضوء عليها و الجوانب التي لم يذكرها أحد و حتى لا نختصر التاريخ في شخص أو قبيلة أو حركة أو مجال على حساب آخر، و بالتالي إعادة كتابة التاريخ و إغنائه بأقصى درجات الحياد و الموضوعية الممكنين وفق المذاهب و المناهج المستجدة و النماذج و المدارس المتقدمة.

حسنات الجويطي في «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» أكثر من سيئاته ليست بسيئات و ليست بثغرات كما أشار الجوطي لذلك في كتابه معتذرا لما قد يُعتبر ثغرات، (خلاصات الجزء الثالث ص35) و اعتبرها إحساس بجسامة و شساعة الإطار الزمني و المجالي المتحدث عنه و ضيق الحيز الورقي المخصص لذلك و لخصها الجوطي في كون مقاربته و فصولها تحتاج لمزيد من السرد، و أشار أن كل فصل من كتابه يعد مدخلا لأطروحة. و كتاب «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» كتب في التاريخ و كان للمؤلف جرأة مناقشة الوقائع و تحقيقها و تصويبها حاملا تحدي مناقشتها و الجميل في الكتاب طريقة سرده عبر لغة و أسلوب الجويطي الروائي، أما الإشكال المنهجي فأشار له عبد الكريم الجويطي في حفل تقديم كتابه في سياق جوابه عن أسئلة الحاضرين قائلا «لا أكتب لأستفز بل من يستفزني هو بعض الكتابات التاريخية التي أقرأها» و المؤطرين لحفل التوقيع بخنيفرة، يوم 31 مارس 2018، كانت لهم إشارات منهجية ضمنية أيضا، فالناقد ذ. حميد ركاطة المسير للقاء ألقى كلمة المركز و قدم الكتاب و إطاره التاريخي و الجغرافي و مؤلفه الذي يجمع رصيده الأدبي بين كتابة الرواية و كتابة التاريخ و طرح السؤال حول رهان كاتب رواية «المغاربة» و جديده «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» أما قراءة الأستاذين الباحثان في التاريخ لحسن رهوان و المصطفى الفاروقي في حفل التوقيع ألخصها في ثلاثة أفكار رئيسية:

1- كتاب «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» تحيين و تركيب خصوصيات الهوية المغربية، وهي القبيلة والمجال والدين والمخزن والاقتصاد.. و انطلق من مجال عرف فترات رخاء قصيرة وفترات انحطاط طويلة و مقصودة، لكنه يزخر بخصوصيات تستدعي إعادة الاعتبار و التثمين .

2- انتقال المؤلف من الرواية للتاريخ هو انتقال من تخيُّل التاريخ إلى إنتاجه و كتاب «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» إضافة نوعية للمكتبة التاريخية على مستوى جهة بني ملال خنيفرة و المغرب.
3- الإشكالية الرئيسية في الكتاب تتجاوز الاكتفاء بالمعلومة و الحقائق التاريخية الى صياغة المنحى المنهجي لتركيبها و تحيينها و عرضها.

عبد الكريم الجويطي، في رده على تساؤلات الحاضرين لحفل توقيع الكتاب، في مداخلته عبر عن اعتزازه بكتابه «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» و إهداء الكتاب كان لروح والده الذي عاش نصف قرن من عمره متنقلا بين بني ملال و خنيفرة، و خنيفرة المجال الذي لم ينل حقه من التدوين. و أضاف أنه رغم انتقاله من كتابة الرواية للتاريخ فهو ليس بالمؤرخ و لا بالروائي بقدرما يحاول كتابة شيء مفيد لهذا الوطن، و «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» ثمرة مجهود سنة و جمع ما قيل حول تادلا في مئات الكتب و ركّبه في 1200 صفحة و ثلاثة أجزاء، و قال حول سعر الكتاب الذي حُدد بحفل التوقيع في 150درهم أنه لا يغطي إلا مصاريف إخراجه في حلة نموذجية و طبعه و نشره فقط، و في ذلك تلميح لمشاكل الكتابة و الطبع و النشر. كتاب «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» صدر في ثلاثة أجزاء و طبعة أنيقة و نموذجية و السحب الأول بمطبعة البيضاوي 2017، و تم حفل توقيع كتاب «تاريخ بلاد تادلا – تحيين وتركيب» بمركز خنيفرة الثقافي يوم 31 مارس 2018 في ضيافة «مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام» بخنيفرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى