fbpx
ملف الصباح

خمسة أسباب تضعف الثقة

ضعف الخدمات الصحية وغياب فرص للشغل وظلم أحكام قضائية وغموض التقاعد
يكاد أغلب المغاربة يجمعون على أن هناك خمسة مواضيع تشكل، بدرجات متفاوتة، مصدر رعب بالنسبة إليهم، وتقوي الإحساس لديهم بعدم الثقة في المستقبل،
ويتعلق الأمر بالتعليم والصحة والتقاعد والعدالة والشغل.
تعليم بلا أمل
تتفاقم أزمة التعليم العمومي، ومعها جزء من التعليم الخاص الذي يستنزف أموالا كثيرة من الآباء والأمهات وأولياء الأمور، دون أن ينجح في كسب رهان الثقة.
ورغم مجهودات الإصلاح المبذولة منذ تسعينات القرن الماضي لإعادة الجاذبية إلى المدرسة، وربطها بالمقاربات والمناهج وبرامج تنمية القدرات والمهارات وإعداد التلاميذ للولوج إلى سوق التكوين المهني والشغل والتعليم العالي الجيد، فإن “شيئا ما” مازال يربك هذا المشروع الوطني ويحوله إلى أضغاث أحلام.
ويتحول التعليم، بالتدريج، إلى هاجس لدى كثير من الأسر التي تعتقد أن أبناءها (خصوصا في التعليم العمومي)، يهدرون أوقاتهم في مؤسسات غير نافعة مهمتها تخريج العاطلين والمعطوبين معرفيا وتكوينا، ولا يصلحون في النهاية إلى أي عمل.
وما يفسر هذا الخوف، لجوء عدد كبير من الآباء إلى بدائل أخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “مستقبل”، عبر تسجيل أبنائهم في القطاع الخاص، من منطق “اللهم لعمش ولا لعمى”.
وتزيد الدراسات المنجزة من قبل مؤسسات عمومية، مثل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من توسيع الهوية بين المغاربة ومدرستهم العمومية، خصوصا حين يقرؤون، أو يسمعون عن أرقام ونسب مخجلة في تعلم المكتسبات الأولية في اللغتين العربية والفرنسية والرياضيات.
ومن بين النتائج المخجلة التي كشف عنها تقرير منجز من قبل هيأة التقييم بالمجلس الأعلى، أن 84 في المائة من تلامذة الجذع المشترك “علوم” حصلوا على نتائج أقل من المعدل في مادة الرياضيات، بينما 54 في المائة منهم لم يتخطوا عتبة 33 بالمائة من التحصيل.

“صحة بيد الله”
الأخبار السيئة الواردة من المراكز الاستشفائية الجامعية والمستشفيات الجهوية والإقليمية والمراكز الصحية والمستوصفات ومصحات خاصة، لا تسر عدوا ولا حبيبا، ووحدها تشكل مصدر إزعاج لأغلب المواطنين الذين يرددون “الشافي الله”.
ويساهم الوضع الصحي “المريض” في توسيع الهوة بين المغاربة وبين إحساس جميل اسمه “الثقة”، إذ عادة ما يشبهون المؤسسات الصحية بمغارة مظلمة الداخل إليها مفقود والخارج منها مفقود أيضا.
وتتضافر عدد من الأسباب في تدني خدمات القطاع الصحي، أهمها الحيز الضئيل الذي تأخذه صحة المواطنين من البرامج الاجتماعية الحكومية، ويظهر ذلك من خلال التمويل العمومي الذي وصل بالكاد إلى 5 في المائة من الميزانية العامة للدولة، وهي نسبة تجعلنا نخجل من أنفسنا مقارنة مع دولة مجاورة تبذل مجهودات كبيرة في هذا المستوى.
العامل الثاني الذي يهوي بالصحة إلى قاع سحيق، يتعلق بقلة الموارد البشرية من أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين، إذ يتفاقم الخصاص ليصل إلى أرقام مخيفة في عدد من المراكز والمصالح والتخصصات أغلقت نهائيا، بعد أن فشلت الوزارة في تعويض المغادرين والمتقاعدين والمتوفين.
ويكفي أن تكون لديك مؤسسة صحية عمومية دون تمويل كاف وبلا موارد بشرية لتتأكد من مستوى الخدمات الاستشفائية التي تقدمها والتي تصل إلى درجة الصفر، ما يضطر المواطنين إما اللجوء إلى مصحات خاصة، بغض النظر عن “المجازر” التي ترتكبها في الجيوب والأجساد، أو التداوي بالطب البديل والأعشاب و”البركة”.

خارج التقاعد
يعتبر التقاعد، أو تعويضات سنوات التقاعد على وجه التحديد، حلما بالنسبة إلى عدد من المغاربة، إذ تشير الأرقام إلى أن 6 ملايين أجير خارج منظومة هذا “الشرط الإنساني”.
ويعتمد هؤلاء المحرومون على رواتبهم في أداء تكاليف العلاجات الأساسية والأدوية والعمليات الجراحية والأمراض المزمنة، كما يدخرون بطرقهم الخاصة من أجل التقاعد ومواجهة تقلبات الزمان.
ودقت دراسة حديثة أنجزتها وزارة التشغيل والإدماج المهني ناقوس الخطر من وجود ملايين المغاربة خارج تفكير الدولة، ضمنهم أطباء ومهندسون معماريون وصيادلة ومحامون وأشخاص ذاتيون يشتغلون في قطاعي التجارة والفلاحة، ومهنيو النقل الطرقي ومسيرو شركات وصناع تقليديون ومعاونوهم، ويضاف إليهم الأشخاص الذين يزاولون نشاطا خاصا، أو نشاطا مدرا للدخل، مثل الأطر الرياضية والوكلاء الرياضيين واللاعبين المحترفين.
ويمثل العاملون غير المشمولين بالتغطية الاجتماعية والصحية نسبة 55 في المائة من الفئة النشيطة العاملة المقدرة بـ10.65 ملايين مغربي، بينهم 4.79 من الأجراء (44 في المائة)، بينما يصل مجموع الفئة النشيطة 11.81 مليونا، بمعنى أن 1.17 مليون يوجدون في وضعية عطالة.

الشغل “يجيب الله”
إلى حدود الآن، مازالت الحكومة تبحث عن وصفة لإيجاد مناصب شغل لآلاف الخريجين وحاملي الشهادات وخريجي معاهد التكوين المهني، إذ اقترحت برنامجا جديدا بين 2018-2021 لتوفير مليون و200 ألف منصب شغل، وتحسين قابلية التشغيل عن طريق التكوين والتأهيل لمليون و100 ألف باحث عن شغل، ودعم التشغيل المأجور لفائدة أكثر من 500 ألف باحث عن شغل، ومواكبة إحداث أزيد من 20 ألف وحدة اقتصادية صغيرة، إضافة إلى المحافظة على معدل النشاط فوق نسبة 46 في المائة.
هذه الأرقام لا يثق فيها أغلب الشباب العاطل الذي يشكو من المحسوبية وعلاقات “باك صاحبي”، كما لا يثق أصلا في وجود هذه الأرقام، مفضلا بالتالي المغامرة في بدائل أخرى، مثل التجارة غير المهيكلة والبيع عن طريق التجوال، أو القبول بمهن بسيطة لا توازي مستواه التعليمي والتكويني، أو الارتماء في أحضان عصابات الهجرة السرية (الحريك)، بحثا عن فرصة عمل، و”كرامة” خارج الوطن.

أحكام جائرة
يكون أغلب المواطنين صورة قاتمة عن القضاء ويعتبرونه غير نزيه وبعض أحكامه ملفوفة في “سلوفان” الرشوة والابتزاز والفساد.
وتزكي هذا الانطباع نتائج الدراسات والقياسات التي تقوم بها جمعيات محاربة الرشوة التي تضع القضاء في طليعة القطاعات التي تنخرها ظواهر سلبية تزعزع ثقة المغاربة فيه.
وتشكل ما يسمى الأحكام “الجائرة” أحد أوجه الخصام بين مواطنين ومؤسسة القضاء، علما أن بنية إصدار الأحكام والقرارات تخضع في الغالب إلى مساطر معقدة وقواعد قانونية دقيقة لا يفقه فيها المواطن العادي، لكن ذلك لا يمنع من ارتكاب تجاوزات وأخطاء في التقدير تشرعن وجود درجات مختلفة من التقاضي (ابتدائي، استئناف، نقض)، موضوعة رهن إشارة المتقاضين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق