fbpx
ربورتاج

مشـردون فـي “حضـن” الصقيـع

بينهم مسنون وأطفال ضحايا التفكك الأسري بفاس وأغلبهم يقبلون بالشارع بديلا عن أسر جاحدة
دون أفئدة تخفق وتتفاعل مع آلامهم وبعيدا عن أعين قد تنظر لحالهم بعين الرحمة، يعيشون بؤسا يوميا زاد إيلاما لهم في ليال انخفضت فيها درجة الحرارة لمستويات متدنية، دون أن تتآلف أجسادهم مع واقع، وحدهم الأدرى بمرارته في شوارع موحشة لا ترحم من لا زاد له لمقاومة الجوع والبرد و”الحكرة”. في حي الأطلس والمحطة الطرقية ومحطة القطار يتعايش مشردو فاس، يوميا مع ليال بحلكة واقعهم في رحلتهم المضنية بحثا عن دفء افتقدوه بين ظهران أسرهم، ويتوخونه في تلاحمهم بأركان منزوية دون أن يسلموا من بطش زملائهم وجبروت طقس لا يرحم حاجتهم الملحة للمأكل والمشرب ووسائل التدفئة.

في ليلة بدرجة حرارة جد متدنية ركن فيها الكل لفراشه الدافئ، رافقتهم “الصباح” في رحلة تيههم بحثا عن دفء مفقود، نابشة في معاناتهم وقصص تشرد قبلوا به بديلا عن جبروت أسر قست عليهم ودفعت بهم لعيش حياة الشارع مكرهين أو فرارا، لينطبق عليهم القول “حتى احد ما يهرب من دار العرس”.

قلوب حجرية

بدت الحركة شبه مشلولة بساحة البطحاء في مدخل المدينة العتيقة. سياح يهرولون لأقرب فندق، وشباب التف حول محل للأكلات الخفيفة، في انتظار ما يسد به رمقه ويدفئ معدته في ليلة باردة. لا أحد منهم التفت لأشعث متسخ الثياب، ينبش في قمامة المحل، طمعا في بقايا خبز أو طعام ينعش معدته الفارغة.
لم يبال بنظرات الناس وفضولهم وسخرية بعضهم من لباسه وشعره المسدل وارتعاش جسده من شدة البرد. بجدية واصل التنقيب دون أن يظفر بشيء أو يرأف لحاله أحد. على الجالسين ألقى نظرة بعث فيها بكل الرسائل المشفرة الساخرة من بخلهم وأنانيتهم. بدا متوسلا كرمهم دون أن يلتقط أحدهم الإشارة.
وجهه مألوف منذ شهور مرت على حلوله بالحي العارفة أسواره بقصص تيهه يحكيها لما ينام الجميع ويستأنس بها محتميا بشموخها. إنها شاهدة على صفحات مؤلمة من حياته منذ وجد نفسه في وضعية الشارع الحاضن له ولمئات الشباب والشيوخ من الجنسين، لفظتهم أسرهم الجاحدة أو تاهوا دون رجعة.
قضى هذا الخمسيني، 32 سنة من عمره مشردا بشوارع عدة مدن بينها البيضاء وفاس العائد إليها قبل شهرين، إذ “كبرت في الشارع” بتعبيره، كما آخر يكبره ب6 سنوات ويتحدر من الدريوش في الناظور، لم يمانع في العودة إلى حضن عائلته إن وجد خارطة طريق تقوده إلى أفرادها لا يتذكر أحدا منهم.
“أين تقضي ليلتك في هذه الأجواء الباردة؟”. سؤال فاجأ الثاني ورد عليه بسخرية ذاكرا اسم فندق فاخر قبل أن يشير إلى ركن منزو بالطابق الأول بالمحطة الطرقية باب محروق ببوجلود، تمتزج فيه رائحة البول المزكمة للأنوف بماء المطر، عادة ما يتحول ليلا إلى “فندق وضيع” لعشرات المشردين.

صور البؤس

تبدو الحركة أنشط بباب المحطة الطرقية الحاضنة كل صور البؤس تزيد واقعها الغارق في فوضاويته، قتامة، بعدما تحولت إلى ملجأ لمنحرفين ومأوى لمشردين بينهم نساء إحداهن افترشت الأرض والتحفت وأبناؤها بالبلاستيك، بمدخلها المختصر لحقيقة المثل المغربي القائل “يمارت الدار على باب الدار”.
في الطريق للطابق الأول، غطى مجهول سنه وملامحه، وجهه وجسده ب”كاشة متآكلة”، منزويا بركن في السلالم، بأقل من 6 أدراج عن شاب أخفى وجهه وجسده ب”جاكيطته” الزرقاء درءا للبرد ونظرات العيون المتلصصة وربما خوفا وريبة من الوافدين غير المألوفة وجوههم بفضاء أصبح مرتعا للمشردين.
من الأعلى انبعث صوت غاضب، من فم شاب ثمل بما شمه من “سيلسيون” جمد قدرته على الحركة، ليجثم قريبا من 4 “جثث” تعيش عذاب الموت في حياتها، وقد تراصت بشكل عمودي على طول الممر الضيق، بمكان عنوانه رائحة البول الخانقة أنفاس من يستنشقها، دون النائمين على مرمى حجر منها.
حال المحطة والمحتمين بها، يبكي عقولا نائمة غافلة عن أسرة كاملة وشباب مأواه أركان منزوية قد لا تسلم فيها حياته في انتظار التفاتة رسمية تنقذه وغيره من واقع التشرد، ولو مؤقتا في هذه الأيام الباردة، كي لا يتكرر حادث وفاة “مول الكلاب” تاركا كلابه تائهة بلا معيل في زمن قل فيه الاهتمام ببشر مثله.
شرود هؤلاء “الموتى في حياتهم”، أذابه حلول ناشطين بالجمعية المغربية لمناهضة التشرد والعنف، بالموقع زادهم ملابس شتوية وأغطية و”قصعة كسكس” التلف حولها مشردون شاردون في بحثهم عن الدفء، في ليالي فاس الباردة ومحطتها الطرقية الشاهدة على عناوين تيههم.

قصص مؤلمة

“ولادي سمحو في. خدمت عليهم وكبرتهم، وقراو ودابا خدامين. مشاو مع امهم وخلاوني تايه” يحكي شيخ عمره 75 سنة يتحدر من قرية با محمد بتاونات، ذاق في 15 سنة منها، مرارة العيش في الشارع بإيموزار كندر وصفرو وفاس، قبل أن تنساب الدموع حارة على خديه الذابلين، لتنحبس الكلمات بحلقه.
إطعامه ورفاقه بالمحطة، سره كثيرا متمنيا تكرار مبادرات جمعوية محدودة والتفاتة رسمية بإيوائهم على الأقل في البرد القارس حفاظا على حياتهم. أمل راود مسنين آخرين بالموقع نفسه وامرأتين مسنتين بحي الأطلس، بدت إحداهما حاملة “أثقالها” باحثة عن مكان آمن يأويها في ليلة عكر فيها أطفال مزاجها.
المسنون من الجنسين رقم مهم في خانة مشردي العاصمة العلمية، لكنهم أكثر انعزالا وميلا إلى العيش فرادى، عكس شباب يشكلون مجموعات “متجانسة” وقوة لحماية أنفسهم في زمن يسود فيه الأقوى والأقدر على الفتك بغيره وسلبه ما يتوفر له من مؤونة ومشرب وملبس وأغطية و”بلية”.
تغليب قوة العضلات جلي بموقعي الأطلس ومحطة القطار، ولوحظ في الجولة موازاة مع توزيع إعانات في عملية تكررت فيها مشاهد يبرز فيها الكبار قوتهم ونفوذهم بالصياح أو العنف اللفظي والجسدي سيما على الصغار وضعاف البنية، وأقر به بعضهم لم ينكروا تعرضهم إلى اعتداءات جنسية متكررة.
الخوض في قضايا هتك العرض مبك لبعضهم ومضحك لآخرين بينهم طفل دون 12 سنة، انفجر ضحكا في وجه سائله دون أن يكف عن مشاكسة زميله بعدما انسجم مع الوافدين على ساحة محطة القطار، عكس ما كان عليه الأمر في البداية، لما فر خائفا لاعتقاده أنهم أفراد دورية طامحة لتصفيد حريته.

أسباب متباينة
تتباين أسباب تشرد أفراد مجموعات “لاكار”، من حالة إلى أخرى، كما مواقع مختلفة حاضنة لمشردي فاس. لكن للطلاق والتفكك الأسري صلة وطيدة بأغلبها، خاصة أن نسبة كبيرة منهم يتحدرون من أسر قاطنة بأحياء هامشية بالمدينة، لكنهم يفضلون واقع التشرد على الالتحاق بمنازل أسرهم.
وذاك حال أحدهم عمره 17 سنة حامل في وجهه جرحا ملتئما شاهدا على اعتداء دموي تعرض له، تفوح منه رائحة “السيليسيون” أو “البلية خرجاتني لبرا” بتعبير زميله الأصغر سنا المقر باستهلاكه 6 علب يوميا من هذه المادة، قبل أن يجهش باكيا مطالبا سائليه بمساعدته لشرائها بعدما نفد مخزونه منها. يرفض الطفل كل اقتراح لعودته لحضن عائلته بحي المسيرة أو نقله للخيرية، ويرد بعصبية زائدة “اللهم الشارع ولا صداع الراس”، كما زميله ابن حي الأمل باب السيفر، عمره 21 سنة، قضى شهرين حبسا بعين قادوس بتهمة السرقة على هامش مباراة في كرة القدم، وبدا حريصا على تقديم النصيحة لزملائه. ويرفض آخر زيارة عائلته بحي الشارة، رغم علمه بمرض والدته، كما “الروبيو” القائل ب”نتحمل البرد والقهرة، ولا الغوات ديال راجل أمي”، مؤكدا أنه واع بمأساوية واقعه و”ما يمكنش نهرب منو”، لكن “الشارع أرحم” رغم إدمانه على مختلف أنواع “الموبقات” بتعبيره، بما فيها المخدرات والسيليسيون.
يعيش هذا الشاب مشردا منذ كان عمره 8 سنوات، ولا يبالي بأصله، وهاجسه البحث عن ثمن بلية يغلبها على مأكله، حتى ولو اضطر للسرقة، فيما يأمل زميله فقد رجله في حادث دهس القطار له بالمحطة، أن يلتفت إليه رأفة لحاله المبكي كل ذي قلب حنون، كما أمثاله ممن زاد ألمهم لشدة البرد وواقع تناسيهم.

طريق العودة

“غدا نمشي فحالي أعمي. كرهت راسي” يرسم طفل دون العاشرة يبدو نظيفا ومنضبطا أكثر من زملائه المتجمعين بساحة الأطلس في انتظار التفاتة جمعوية لإعانتهم والتخفيف من معاناتهم من شدة البرد، أملا لمحدثه حاول النبش في ظروف وأسباب تشرده الحديث دون آخرين مشردين “في حالة عود”.
تعهد الطفل الوسيم والمهذب القاطن والده المستخدم بالبلدية، بالهديم بمكناس، ب”اللاعودة” للشارع بعدما جرب مرتين مآسيه والعيش وسط ذئاب بشرية تعيش بمنطق السيادة للأقوى والأشرس. لكنه تحاشى تمكين سائله من هاتف عائلته، كما تحاشيه الخوض في الأسباب التي دفعته لمغادرة منزل عائلته.
من سحنته وزميله الأصغر منه بسنتين، يتضح أنهما حديثا العهد بالتشرد عكس آخرين في المجموعة نفسها قضى بعضهم أكثر من عقد ونصف، على حال راض به، كما ابن حي عين هارون تشرد منذ كان عمره 10 سنوات منذ توفي والده ووجد نفسه وجها لوجه مع زوج أم “منزوع قلبه من الرحمة” بتعبيره.
ويضيف “حتى احد ما يكره يعيش مع عائلتو. لكن ما بقا لي مع من، من اللي مات با” قبل أن تدمع عيناه دون أن ينجح في كتم شعور خفي أحيى آلاما تدمي فؤاده، كما “ولد برارك العزيب” الطامح للعودة إلى حضن أسرته الدافئ، بعدما غادره منذ مغادرته الدراسة دون إرادته، خوفا من أستاذ “كان حاكر علي”.
قصته تتشابه مع آخرين تناثروا بساحة الأطلس في انتظار ملابس وأغطية تدفئ أجسادهم المتآلفة مع برد يبعد النوم عن رموشهم، قبل أن يلتفوا حول “قصعة” لم يبخلوا على كلب أنيس غربتهم، ببقايا كسكس، شاركوه الأكل والعيش في خرب موحشة تعايشوا فيها وعاشوا على أمل التفاتات إنسانية متكررة.

القبة: مساعدة شاملة ودائمة

ثمنت أسماء القبة، رئيسة الجمعية المغربية لمناهضة العنف والتشرد، التي نظمت قافلة إنسانية لفائدة الأشخاص في وضعية الشارع بفاس، التفاتة الكل إلى هذه الفئة للتخفيف من معاناتها في مثل هذه الأيام الباردة وغيرها، ما يهددها بالموت كما وقع في حالات سابقة خنق فيها البرد أنفاس مشردين بالمدينة.
ووجهت نداء إلى كل الأسر الفاسية، لتقديم العون لمئات المشردين الذين تعج بهم فاس وبينهم أسر بكامل أفرادها ومسنون وأطفال، آملة تكريس تقليد يومي لجمع الملابس والأغطية وتوزيعها عليهم، مشيرة إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون مثل هذه المبادرات مغلفة بغلاف جمعوي، بل يجب أن تكون فردية ويومية.
وقالت “لن نخسر شيئا إذا جمعنا ملابس ضاقت على أبنائها ووزعناها على أطفال يقرس البرد أجسادهم” و”التبرع بها يجب أن يكون شبه شامل ودائم حتى نسعد المحتاجين إليها”، مؤكدة أن إدخال البهجة والفرح على نفوسهم أكبر مكسب لا يراد منه التباهي، وفي ذلك “فليتنافس المتنافسون على الخير”.
ووزعت الجمعية كمية مهمة من الملابس والأغطية على عشرات المشردين ليلة الخميس 8 فبراير الجاري تخللتها وجبة عشاء، في جولة رافقتها “الصباح” فيها، في مبادرة أطلقت عليها اسم “بحوايجنا ندفيو أولادنا”، وأطلقتها منذ 3 سنوات، للتخفيف من معاناة هذه الفئة التي تعيش ظروفا مأساوية.

إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: (أحمد العلوي المراني)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى