fbpx
ملف عـــــــدالة

الحكومة استنسخت مضامين الدستور في برنامجها

أشيبان أكد أن ضمان حسن سير العدالة لم يمدد إلى المهن الحرة ذات الارتباط الوثيق بالقضاء

لا يمكن الحديث عن تصريح حكومي، إلا في نطاق الفصل 104 من الدستور، عندما يقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحا يتضمن دوافع قرار حل المجلس وأهدافه‫.‬
ويجد البرنامج الحكومي سنده الدستوري في الفصل 88 منه الذي يلقي التزاما أساسيا على رئيس الحكومة بعرض  البرنامج الذي يعتزم تطبيقه أمام مجلسي البرلمان، وذلك بمجرد تعيين الملك لأعضاء الحكومة‫.‬ هذا البرنامج يجب أن يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية‫.‬
وما يهمنا في هذا الصدد هو وضع البرنامج الحكومي المقدم من طرف رئيس الحكومة أخيرا تحت المجهر لتحليل مضامينه سيما في مجال إصلاح العدالة‫.‬
إن ما يثير الانتباه من خلال القراءة الأولية للبرنامج أن السلطة التنفيذية واعية بالاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للسطة القضائية لشؤون المنتسبين، وذلك بالاكتفاء بالإشارة إلى السعي إلى إصدار القوانين التنظيمية الخاصة  به، وكأن الجانب التشريعي هو المعول عليه فقط في مجال الإصلاح‫.‬
إن هيمنة الهاجس المذكور ‫(‬التشريعي‫)‬ يكاد يصطدم باختصاص السلطة التشريعية في ميدان إصلاح منظومة العدالة التي تفتقد حلولا واقعية كان على البرنامج أن يعالجها وأن يعطي بعض آليات الاشتغال مبلورة على شكل اجراءات قابلة للتنفيذ الفوري، كما فعل بالنسبة إلى إعادة ادماج السجناء‫.‬
ولقد طغى على البرنامج من الناحية الشكلية أسلوب ربط الماضي بالمستقبل، أي بين البرنامج الحكومي السابق بالحاضر، كما طغى عليه أسلوب خطايا النوايا على شكل يعطي انطباعا بأن الأغلبية المشكلة للحكومة ليست لها حلولا تطبيقية في مجال العدالة، وأنها استنسخت مضامين الدستور في برنامجها حتى تتجنب النقد اللاذع‫.‬
إن تطوير الإطار القانوني المنظم لمختلف المهن القضائية كما جاء في البرنامج الحكومي أو مواصلة الاصلاحات الجوهرية الرامية الى تحديث المنظومة القانونية المتعددة بضمان ممارسة الحريات، هو إقرار صريح بعجز السلطة التشريعية، في ما سبق عن ممارسة اختصاصها حتى تنكب الحكومة على التنفيذ وممارسة سلطتها التنظيمية دون تضييع الجهد والوقت في مجال التشريع، وان كان استثناء في نطاق الفصل 70 من الدستور في إطار المراسيم‫.‬
إن ممارسة المهن القضائية عملها داخل منظومة العدالة يفرض اعتبار اكراهاتها وطرق سير عملها في اطار حماية الحقوق وممارسة الحريات، وذلك ضمن البرنامج الحكومي الذي يسطر السياسات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ويعمل على تنفيذها‫.‬
فمن المعلوم أن المحامي يقدم المساعدة القضائية في الميدان الاجتماعي والجنائي ودوره أساسي في هذا المجال، فلماذا لم تمنح لذلك إشارة في مجال إصلاح العدالة التي يعتبر المحامي جزء لا يتجزأ منها، والشيء نفسه يمكن أن يعمم على الموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة‫.‬
إذا رمى البرنامج الحكومي الكرة في مرمى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فيما يخص الشؤون الإدارية والمالية واكتفى بطمأنة هذه الأخيرة بضمان حسن سيرها وتوفير الامكانيات اللازمة لذلك، فإنه بالمقابل استثنى الضمان ولم يمدده لباقي المهن القضائية الحرة، وكأنه يوحي لها بتدبير شوونها بمفردها في أفق إحداث مجلس أعلى للمهن المذكورة ليشملها مستقبلا الضمان ولتوفير لها إذاك الامكانيات اللازمة؟
أليس لمهنة المحاماة دور كبير في تحقيق المحاكمة العادلة لم أليس بدونها لا يمكن، ولو نسبيا، تحقيق التنمية الاقتصادية والإصلاح المتعلق بالعدالة المرتبط بالمجال الاقتصادي والاجتماعي‫.‬
إن مؤسسة المساعدة القضائية لا تتعلق فقط بقانون المسطرة المدنية أو الجنائية بل تتعلق أساسا بحقوق الانسان سيما بمجال الولوج إلى القضاء ‫(‬الفصل 118 من الدستور‫).‬
ثم بمجال المحاكمة العادلة ‫(‬الفصل 120 من الدستور‫)‬ دون أن ننسى المجال الاقتصادي الذي ينبثق منه أداء واجب الخدمات والأتعاب المرتبطة بالنظام الضريبي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار في إطار إصلاح منظومة العدالة‫.‬
فإذا أعفي المتقاضي من الضريبة على القيمة المضافة مثلا بالنسبة إلى أتعاب المحامي، كان ذلك مؤشرا حقيقيا لإنزال مقتضيات الفصلين 118 و121 من الدستور‫.‬
تلكم شذرة من الاجراءات التي كان ينبغي تناولها في البرنامج في شقه المتعلق بإصلاح منظومة العدالة ولنا إطلالة أخرى على هذا الموضوع في ما بعد‫.

مصطفى أشيبان  دكتور في الحقوق محامي بالبيضاء‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى