fbpx
ملف الصباح

سوق “جميعة” بالبيضاء…الوقوف الإجباري

أشهر أسواق المغرب تنشطه «الشوافات» و»العراكات» و»الحنايات» وبائعو الأعشاب والحيوانات والزواحف المحنطة

لا يكتمل طقس الشعوذة بعدد من المدن المجاورة للبيضاء إلا بـ»توصية خاصة» من «موالين الحال» لزيارة الزقاق الأشهر بسوق «جميعة» بمرس السلطان، حيث ينتصب طابور من باعة الأعشاب وجثث الحيوانات والزواحف المحنطة، وبجانبهم «حطات» «الشوافات» و»العراكات» و»الحنايات» اللواتي تترصد عيونهن الداخل والخارج في فضاء مفعم بالأسرار.

إنجاز: يوسف الساكت

الوقت ما بعد الرابعة عصرا، حركة عادية في الزقاق الضيق المتفرع عن منحدر يبدأ من مدار صغير أمام كوميسارية درب السلطان. هنا، تعقد محلات العطارة و”العراكات” و”الشوافات” و”ماليات الطيار” و”الحنايات” ما يشبه التحالف “المقدس”، أهم بند فيه تبادل المصالح من منطق تجاري محض تحركه الخرافة والأوهــام وعقــود من التخلف.

الداخل مفقود

في نهاية الزقاق تنشط حركة دؤوبة لتجار الخردة والمتلاشيات والأواني النحاسية والزجاجية والمعدات الإلكترونية والشرائط الموسيقية القديمة والملابس المستعملة التي تستقطب زبناء من نوع خاص تستهويهم الفرص أو “الهموز”، حسب تعبيرهم.
يبدو الزقاق، الذي ازداد ضيقا بحجم السلع والبضائع المعروضة فيه، مقطوعا عن زمن البيضاء، عاصمة المال والأعمال و”الفرونشيز” و”في آي بي”، وينتمي إلى تاريخ غابر بطقوسه وعاداته وقوانينه وضوابطه الخاصة التي ينبغي على زائره التقيد بها، وإلا وهب نفسه للعنات “لجواد” و”لسياد” و”اصحاب لمكان” الذين يسكنون في جلود الضباع و”الزرزوميات” وعيون الثعالب المحنطة ورؤوس الغزلان المتدلية بعيونها الواسعة المفتوحة على السواد.
كل شيء هنا بمقدار، حتى الخطوات يجب أن تقاس بحجم العيون المتلصصة التي تسجل من خلف ستار حركات وسكنات كل الوافدين على المكان وتعرف القدامى والزبناء الأوفياء منهم، كما تعرف الوافدين الجدد الذين يضعون أقدامهم لأول مرة..
وبالقــدر الذي لا تخطئ ملامح السائح المستطلع الذي وجد نفسه صدفة في المكان، تعرف هؤلاء الذين يحملون عنوانا مضبوطا في ورقة ويسألون عن محل بعينه لقضاء غرض ما. الشمــع المحروق الممزوج برائحة الحناء الرخيصة وروائــح الأعشــاب الطبيعية وجلود الحيوانات المحنطة، يعطي خليطا مميزا لا يخطئه الأنف، كمـــا وجــد المـــرء نفسه في زيارة إلى أماكن تتنفس خرافات وشعوذة مثل عبد الرحمان المجذوب بالبيضاء، أو علي بنحمدوش بضواحي مكناس، أو بوشعيب الرداد وعايشة البحرية بأزمور.

كل شيء مباح

بمحاذاة العراكات، تصطف بيوتات واطئة، أشبه بغرف صغيرة بأحجام متقاربة، مستورة بخرق من ثوب بألوان مختلفة، بعضها فاقع، ربما، لجلب السعد والحظ لعدد من “الحنايات” اللواتي يعرضن صور تعكس نماذج من صنعتهن، لكن ما خفي وراء هذه الصور وأواني الحناء والأمصال الطبية المستعملة في النقش أعظم.
داخل البيوتات المرقمة، دليل شرعيتها القانونية وخضوعها لمراقبة السلطات، تظهر من خلف الستائر آرائك بأحجام مختلفة تتوسطها موائد صغيرة وبعضها يضم حصيرا، تجلس وسطها فتيات، في الثلاثينات، وضعن على وجوههن “علبا” من المساحيق وارتدين “بيجامات” ضيقة تفضح الكثير من الدهون.

تجارة الخرافة

تنتعش تجار “العراكات” وبيع الأعشاب الغريبة وأجزاء من حيوانات وزواحف وقوارض محنطة بسيادة نوع من الاعتقاد لدى عدد من المواطنين بوجود كائنات غريبة وخرافية تنسجها المخيلة الشعبية وتضفي عليها خصائص الكائنات البشرية، مثل عائشة مولات المرجة التي تسكن إحدى المغارات قرب ضريح سيدي علي بنحمدوش بضواحي مكناس، أو “عائشة مولات المواج”، الجنية البحرية، التي تسبح غير بعيد عن شاطئ سلا، إضافة إلى “وليات” آخريات يحملن الاسم نفسه يتخذن مزاراتهن غير بعيد عن أضرحة ومدافن أولياء صالحين عرفوا، قبل قرون، بورعهم وتصوفهم وحفاظهم على منسوب عال من التدين.
بالموازاة، ظل بعض القائمين والأحفاد يروضون وظائف المزارات والأضرحة والمواسم السنوية حسب الحاجة والمستجدات والرغبات الطارئة، وإن كانت الورقة الرابحة، اليوم، في عدد من هذه الفضاءات التي تفوح شعوذة، تتعلق بتقديم وصفات وإعطاء الفرصة للمشاركة في طقوس وممارسات وحفلات “جذبات” لفك عقد نفسية وجنسية تلبس رداء الخرافة مثل “الربط”، أو”الثقاف”.
يوسف الساكت

«عراكات» ضد «الثقاق»

أغلب زبناء سوق “جميعة” نساء وفتيات يتخفين في جلاليب تسهل عليهن الدخول إلى عالم غرائبي لقضاء غرض ما، لكن هناك أيضا أمهات أو زوجات “مكلومات” جئن من أجل إبطال مفعول سحري حول الإبن أو الزوج إلى مجرد قطعة خشب فوق السرير، وهو العمل المعروف بـ”الثقاف”.
ويعرف مصطفى واعراب، في كتابه المرجع حول المعتقدات السحرية بالمغرب، “العقد” أو “الربط”، حسب المعتقد المجتمعي لدى المغاربة، التدخل في القدرة على الاتصال الجنسي لدى الشخص، من خلال عمل سحري يستهدف توجيهها في اتجاه وحيد، مثل المرأة التي ترغب في شل قدرة زوجها على معاشرة غيرها جنسيا، أو شلها بالمرة، وتسمى هذه العملية “الثقاف”. وعكس ما هو شائع، فإن “الثقاف” لا يستهدف الرجل فقط، بل المرأة أيضا، وتشمل مجالات اللجوء إليه أغراضا أخرى.
ويرتبط “الثقاف” في القاموس اليومي للمغاربة بالجانب الجنسي الحساس لديهم، ككل الشعوب العربية، لكثرة استعماله في أغراض تخريب العلاقات الحميمة بين الأزواج والعشاق، لكنه يستعمل أيضا لأغراض تجارية أو تصفية حسابات شخصية أو إبعاد خصم وعدو من مجال للمنافسة المباشرة. وعوض أن يتجه بعض المغاربة إلى العيادات الطبية وطلب استشارة مختصين في علم النفس (الحقيقة أن هذه الخدمة غير متوفرة لجميع المغاربة بسبب النقص الحاد في مجال الطب النفسي والعقلي بالمغرب)، يختار هؤلاء الحل السهل، أي البحث عن حلول غارقة في الشعوذة في حضرة أولياء صالحين لأمراض نفسية وعقد جنسية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق