fbpx
ملف الصباح

الحاجة مليكة…”بنت الملوك”

سقطت في بئر مهجور فخرجت منه شبه معتوهة

لم يكن أحد من أفراد العائلة الكبيرة يتوقع أن تلك الفتاة “المعتوهة” ستصبح في يوم من الأيام ذات شأن كبير يقف على بابها كبار المسؤولين ينتظرون موعد الدخول إليها بفارغ الصبر، ولا أحد كان يخطر بباله أن حادثا مأساويا سيجعل من مليكة مخرجة أهلها من مستنقع الفقر.
أصبحت الأم والأخوات والإخوان وأبناء العمومة يشتغلون جميعهم تحت إمرة مليكة، إلى حد أنهم وصفوها بـ”بنت الملوك” نسبة إلى اسم الجنية، التي يعتقدون أنها سكنت جسد أختهم الصغيرة ذات ليلة عاصفة عندما سقطت في بئر غير مكتمل الحفر، وهي لم تتجاوز بعد عشر سنوات من عمرها.
دخلت الصغيرة بعدها في نوبات صرع تغيب عن الوعي بالأيام، زاد طواف الأم بها على الأضرحة والأولياء في التعجيل بدخول مليكة عالم الشعوذة، إذ ستتكلم بلسان غير لسانها أشهرا قليلة بعد الحادثة، وستكشف المستور في نفوس المحيطين بها، فتأكد لهم ما توقعته العمة العجوز بأن مليكة مسكونة.
مع شيوع الخبر بدأ الناس يتوافدون على صغيرة “جوادها واعرين” تتحكم في رقاب شياطين يمكنهم تقريب البعيد وإبعاد القريب، على حد وصف تعويذاتها، يكفي أن يطلب الجالس أمامها ما يريد، شريطة أن يحمل معه صورة الشخص المعني بـ”العمل”.
في الأربعين من عمرها أصبح انتزاع موعد للدخول إلى خلوتها أصعب من الدخول إلى الوالي، لا تشتغل إلا بين الظهر والعصر من الاثنين إلى الخميس، وقررت جعل الجمعة عطلة أسبوعية للجميع، وأن يخصص السبت والأحد لكبار الزوار، الذين تستقبلهم في مواعد محددة بدون طابور، وحتى لا يكون هناك غرباء في الضيعة قد يتعرفوا على وجوه مألوفة في التلفزيون والجرائد.
تتحمل “مقاولة” مليكة مسؤوليتها الاجتماعية أحسن من كثير من شركات المنطقة الصناعية المجاورة، فهي تشغل أكثر من ثلاثين شخصا بدءا من حارس السيارات في مدخل الضيعة، إلى منصب الكاتب الخاص، الذي يشغله الأخ الأكبر بعد استقالته من وظيفة بمؤسسة عمومية.
عندما تتكلم مليكة عن والدها تقول إنها تمنت لو بقي حيا حتى تعوضه عن سنوات الفقر والقهر، وذلك في إشارة إلى أن كل أفراد العائلة يكسبون أموالا طائلة من “تجارتها”،التي جعلتهم في غنى عن انتظار المطر الذي قد يأتي وقد لا يأتي في ذلك الدوار المعزول غير بعيد عن البيضاء.
قد ينتظر الوافدون على الحاجة مليكة ساعات طويلة وقد يعودون في اليوم الموالي أو يبيتون الليل على بابها، إلا من كانت له وساطة يسجل في لوائح السبت والأحد، لكن إذا وصل موعدهم لا يخرجون إلا و”الحاجة مقضية” كما تقول في نهاية كل وصفتها.
قبل المثول في حضرتها هناك مراحل كثيرة يجب أن يمر منها الزوار، تماما كما يطلب من المرضى في عيادات كبار الأطباء المتخصصين، لكن عوض التحاليل و الأشعة يحمل من يقصد الزاوية رصاصا مذابا و “شبة” محروقة.
فبمجرد تجاوز باب الضيعة يسألك البواب عن الغرض من الزيارة وحسب الخدمة المطلوبة يوجهك، إما أن تشتري دجاجة يحدد لونها، أو تأخذ حصة من دخان الرصاص الذي يتم تذويبه تحت قدميك، أو تمر فوق “مجمر” صاحبة البخور “الشبة” التي تقيس أضرار “العين” و منسوب “التابعة” في الدم.
ياسين قُطيب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق