ملف الصباح

الصويرة تستعيد يهودها

إحياء طقس «باكاشوت» الذي غاب عن مدينة الرياح سبعين سنة

استضافت الصويرة، أخيرا، على هامش مهرجان الأندلسيات الأطلسية، عددا مهما من أبناء الطائفة اليهودية المقيمين بمختلف دول العالم. واستعاد يهود موغادور خلال دورة هذه السنة مجموعة من الطقوس والعادات اليهودية الصميمة، كما أحيوا طقس ال”باكاشوت” الذي غاب عن مدينة الرياح أزيد من سبعين سنة. في هذا الربورتاج تنقل إليكم “الصباح” جوانب من أجواء هذه الطقوس.

إنجاز: عزيز المجدوب (موفد “الصباح” إلى الصويرة)

كل شيء كان مهيأ لتستقبل الصويرة يهودها. حركة دؤوب في أرجاء المدينة التي اعتادت على رؤية الوجوه والسحنات الأجنبية وهي تتجول وسط أزقتها ودروبها، رافعة أبصارها، بين الزقاق والآخر، بذهول واندهاش في معمارها الذي تآكل بعضه وغشته رطوبة البحر الذي تعبق المدينة برائحته.
بين الوجوه التي ازدانت بها المدينة خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر الماضي، ملامح لم تخطئها كثير من أعين الصويريين القدماء الذين تبينوا فيها يهودا غادروا المدينة قبل عقود، وضربوا لأنفسهم موعدا لتفقدها بالتزامن مع مهرجان “الأندلسيات الأطلسية” الذي تحتضنه مدينة الرياح خريف كل سنة.
لحظات عناق حار وتبادل تحايا، ودموع انسابت في غفلة من مآقيها وهي تسترجع ماضيا تليدا لمدينة ظلت عبر تاريخها عنوانا لتعايش خاص وفريد من نوعه بين اليهود المسلمين لم يتحقق إلا على أرضها. أفواج من اليهود حطت الرحال ب”موغادور” وتوزعت على فنادقها و”رياضاتها” استعدادا لحضور فقرات المهرجان الذي لم يكن سوى ذريعة جميلة ليستعيد يهود المدينة أو من غيرها ممن قادهم الشغف والفضول لاكتشاف سر هذه الحاضرة التي شكلت استثناء.

حجة وزيارة

بمجرد ما انتهت الفقرات الغنائية الخاصة باليوم الثاني للمهرجان، الذي صادف يوم جمعة، الذي احتضنته القاعة الرياضية المغطاة بالمدينة، التي غصت عن آخرها بالجمهور الذي يسهل تمييز اليهود وسطه بطواقي “الكيبا” الشهيرة، توجهت أفواج من الحاضرين على الأقدام في اتجاه “باب السبع” ليجتازوه زرافات وفرادى، ويلجوا بناية “دار الصويري” التي كانت على موعد مع فقرة فنية وفي الوقت نفسه طقسا دينيا يهوديا عريقا عاد ليحط الرحال بالمدينة بعد غياب لأزيد من سبعين سنة.يتعلق الأمر ب”الباكاشوت” وهو شكل من الغناء الديني اليهودي وتم اختيار نصوص خاصة لأدائه في هذه الأمسية التي عرفت حضورا استثنائيا ليهود لم يسبق أن التقوا على أرض الصويرة منذ عقود، ومنهم من وطأت قدماه أرضها لأول مرة مدفوعا بتحقيق رغبة أب أو جد لم يمهله العمر ليعود مجددا إليها.

الباكاشوت… تصوف وعاطفة

نصف ساعة بعد منتصف الليل كان كل شيء جاهزا ليبدأ الطقس تحت إشراف الحاخام والفنان حاييم لوك. إضاءة خافتة غشت فضاء دار الصويرة، وتحلق الحاضرون بشكل دائري حول طاولة مغطاة بغطاء أبيض تتوسط المحفل، يحف بها ستة أشخاص سابعهم حاييم.
فوق الطاولة ثلاث صينيات بها كؤوس، وإلى جانبها شمعدانات عليها شموع موقدة، أما حاييم لوك فقد فتح الكتيب الموضوع أمامه والذي وزعت نسخ كثيرة منه على المنشدين معه، أو على الكثير من الحاضرين قبيل بدء الطقوس التي اضطر معها الجميع إلى إطفاء هواتفهم المحمولة وعدم تشغيل أي كاميرا أو آلة تصوير.
يضم الكتيب الذي يحمل عنوانا بالعبرية هو “شير يديديوت” أي “غناء للمحبة والصداقة” وهو عبارة عن نصوص وأشعار تولى جمعها، خلال مطلع العشرينات، كل من الرابي وقائد دوقة التراتيل دافيد إفلاح ودافيد القاييم اللذين عاشا في الصويرة نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
النصوص المبثوثة في الكتاب مكتوبة باللغتين العربية والعبرية، ويبدو من خلال تصفحه أن المقاطع العربية عبارة عن شذرات أندلسية وغرناطية وملحونية وليس مضمونها دينيا بالضرورة، بل أغلبها عاطفي. أخذ حاييم لوك مكانه مستهلا الإنشاد، ومعطيا الإشارة إلى المنشدين المرافقين له وهم عبارة عن “حزانين” متمرسين على الإنشاد الديني اليهودي، بالاستهلال على نغمة الراست التي انطلقت بها المقاطع الأولى. توزعت التراتيل بين الأداء الفردي والجماعي، إذ حرص المنشدون وعلى رأسهم حاييم لوك أن يكون الأداء حرا ومرسلا على طريقة “أكابيلا” أي دون مصاحبة الآلات الموسيقية ولا حتى الميكروفونات.
خلال اللحظة التي يصل فيها المنشدون إلى المقاطع العربية، يتحرك الحاضرون جميعا مرددين وراءهم خاصة في المقاطع الأندلسية المشهورة مثل مقطع “الليل ليل عجيب/ أغرّ طلْقُ المحيا/ قد زار فيه الحبيب/ حيّى الفؤاد فأحيا…”، بل إن الحاخام يفسح المجال في بعض المقاطع للمنشد الصويري الحاج مرينا الذي كان جالسا وسط الحاضرين لينشد مقاطع صوفية، في تمازج بديع بين الروحانية الإسلامية واليهودية.
تواصل الإنشاد في جو يسوده هدوء يليق بخامة المحفل الذي جعل الصويرة تستعيد طقسا غاب عنها لعقود، بعد أن غادرها يهودها في فترات متقاربة، إلا أن الحنين ظل يشدهم إليها وينتقل عبر جينات الأبناء والأحفاد وهو ما تبين من خلال نوعية الحضور الذي تجاوز خلال هذه التظاهرة حوالي 400 يهودي من مختلف الأعمار قدموا من وجهات مختلفة منها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا وسويسرا وغيرها.

“شاباط” بأنغام الفياشية

ولكي تكتمل أجواء الاستعادة النوستالجية، لم يطب مقام يهود الصويرة إلا بإتمام الطقوس في اليوم الموالي، الذي صادف السبت المقدس عندهم، أي “الشاباط”، إلا بإحيائه بالمركز الاجتماعي والثقافي بحي الملاح والذي كان سابقا مدرسة مخصصة لأبناء الطائفة اليهودية بالملاح القديم. واختار اليهود المحتفون أن يشتركوا مع الآخرين طقوسهم ووجبة الغداء الخاصة ب”الشاباط”، بكل مستلزماتها من “سخينة” وسمك ولحوم مطهوة وفق عادات يهودية مغربية خالصة، إضافة إلى خمور “كوشير”.
“هاذ لمجمع ما فيه فرق بين الأديان هنا كاينة الخاوة فقط” هكذا رحب بنا رجل مسن كان يرتدي طاقية “الكيبا” وهو يفرد لنا مكانا على مائدة طعام طالبا من زوار المكان أن يختلطوا ما أمكن مع بقية الحاضرين حتى تكون هناك فرص للتعارف.
ارتفعت جلبة الأحاديث الجانبية، وقهقهات الحاضرين، الذين كانوا يتجاذبون أطراف الحديث وهم منهمكون في التهام ما طاب ولذ لهم، قبل أن يرتفع صوت فتى يهودي يافع يدعى “شالوم إيفري” مغنيا مطلع أغنية “بعيد عنك” لأم كلثوم، أرغم كل الأصوات لتخفت فاسحة المجال للإنصات لهذا الفتى القادم من إسرائيل ليستعيد مع عائلته جذوره المبثوثة بعمق الصويرة.
حال بعض الحاضرين دون توثيق المشهد بأي آلة تصوير معتبرين “الفلاش” نارا لا يجب أن توقد في هذا اليوم المقدس، قبل أن يتدخل الحاخام حاييم لوك ليسمح لمن أراد التقاط صور أو فيديوهات بأن يفعل ذلك، بل انخرط هو نفسه في أداء مقاطع تجاوب معها الحاضرون، بشكل ظاهر، طاف فيها على روائع الغناء المغربي بدءا من “علاش يا غزالي” مرورا بقصيدة “الفياشية” التي تفنن في أدائها بالعربية والعبرية قبل أن يغني أغنية “الحرم يا رسول الله”.

كنيس «صلاة لقهال» ينبعث من جديد

جرى، أخيرا، إعادة افتتاح كنيس “صلاة القهال” بحي الملاح بالصويرة والذي يعد من بين حوالي 40 فضاء للعبادة مخصصة لمعتنقي الديانة اليهودية بمدينة الرياح . على بعد أسابيع قليلة من الانتهاء من أشغال ترميم “بيت الذاكرة” الذي سيحتضنه كنيس سيمون عطية أحد أعرق المعابد اليهودية بالصويرة.
ويأتي ترميم “بيت الذاكرة” المخصص لأداء أفراد الطائفة اليهودية لشعائرهم الدينية بالصويرة التي كانت تضم حوالي 40 معبدا يهوديا في الماضي.
ومن المرتقب أن تحتضن مدينة الرياح قريبا مركز حاييم زعفراني وهو مؤسسة سيتم احداثها بكنيس سيمون عطية وكذا تحويل الطابق، الذي كان يشكل مقرا للقضاء العبري بالصويرة، إلى فضاء يحتضن المركز الدولي للأبحاث حاييم الزعفراني، ابن الصويرة وأحد كبار علماء الاجتماع والسياسة والأنثروبولوجيا اليهود في المغرب والمغرب العربي.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق